أيت الحنا يكتب …. حين يصبح الغرق أهون من احتمال البقاء…

لم تعد صور الشباب المغاربة وهم يخاطرون بحياتهم في عرض البحر مجرد أخبار عابرة، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق من الهجرة نفسها. فالصورة التي ظهرت فيها الشابة المغربية “فرح” وهي ترفع شارة النصر بعد وصولها إلى سبتة، لم تكن احتفالا بإنجاز، بقدر ما كانت إعلانا صامتًا عن هزيمة مؤلمة، هزيمة مجتمع لم يعد قادرا على إقناع جزء من شبابه بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن.
ليست المأساة في عبور البحر، وإنما في الأسباب التي جعلت البحر يبدو أقل قسوة من اليابسة. فعندما يقتنع شاب أو شابة بأن احتمال الغرق أهون من احتمال البقاء، فإن الأمر يتجاوز الهجرة السرية ليصبح إنذارا اجتماعيًا وسياسيًا يستحق الوقوف عنده بكل مسؤولية.

إن ما يجري اليوم يفرض على الجميع، دولة وأحزابا ومؤسسات ونخبا، طرح الأسئلة الحقيقية بدل الاكتفاء بتبادل الشعارات. كيف وصلنا إلى مرحلة يرى فيها آلاف الشباب أن الضفة الأخرى تمثل الأمل، بينما يتحول الوطن، بكل إمكاناته وأوراشه، إلى فضاء يضيق بأحلامهم؟

لا شك أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبرى واستثمارات مهمة، وعرف تحولات اقتصادية وتنموية لا يمكن إنكارها. غير أن التنمية لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وخاصة الشباب الذين ينتظرون فرصًا حقيقية للشغل، والعيش الكريم، والعدالة الاجتماعية، وإمكانية بناء مستقبل واضح المعالم.
وفي المقابل، تبدو الساحة السياسية منشغلة بحسابات الانتخابات، وتوزيع التزكيات، وصراعات التحالفات، بينما يبعث الشباب، بأجسادهم التي تواجه أمواج البحر، برسالة أشد وقعا من كل الخطب والبرامج الانتخابية. إنها رسالة تقول إن أزمة اليوم ليست فقط أزمة اقتصاد، بل أزمة ثقة وأفق وانتماء.

إن رفع فرح لشارة النصر لم يكن احتفالا بالوصول، بل كان صرخة موجعة. فحين يصبح مجرد الوصول إلى الضفة الأخرى انتصارا، فإن الخسارة الحقيقية ليست خسارة من غادر، بل خسارة واقع دفعه إلى المغادرة.
هذه الصور ينبغي ألا تُستغل للمزايدات السياسية، ولا أن تُقرأ بعين الاتهام للشباب، بل يجب أن تتحول إلى مناسبة لمراجعة السياسات العمومية، وإعادة الاعتبار للإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها. فالوطن الذي يمنح أبناءه الأمل، لا يحتاج إلى أن يحرسهم من البحر، لأنهم لن يفكروا أصلا في ركوبه.
وقبل أن تنطلق الحملات الانتخابية، وقبل أن تُرفع الشعارات وتُطلق الوعود، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا أصبح الرحيل حلمًا، والبقاء عبئا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة جيل كامل، لأن الأوطان لا تُقاس بما تشيده من طرق وموانئ فقط، بل بما تمنحه لشبابها من أمل يجعلهم يؤمنون بأن مستقبلهم يبدأ من أرضهم، لا من الضفة الأخرى.



