وجهات نظر

فكري ولد علي يكتب : من ذاكرة الأجداد إلى شاشات الهواتف.. من ينتصر في معركة الهوية؟

 

في زمن الرأسمالية الرقمية، لم يعد النقاش حول الهوية الثقافية للشعوب يطرح بالمنطق نفسه الذي كان سائدا قبل عقود. فالعالم يعيش اليوم على إيقاع ثورة رقمية متسارعة ألغت الحدود التقليدية بين الثقافات، وحولت الأفراد إلى فاعلين ومتفاعلين داخل سوق كونية ضخمة تتغذى على البيانات والمعلومات والاهتمامات الشخصية لمليارات البشر.
لقد أصبحت الرأسمالية الرقمية قوة عابرة للحدود، لا تعترف بالجغرافيا ولا باللغة ولا الانتماءات الدينية أو العرقية. والأكثر من ذلك أنها لا تفرض نفسها بالقوة، بل تتوسع عبر انخراط طوعي للأفراد الذين يقدمون يوميا جزءا من خصوصياتهم وحياتهم ومحتوياتهم لمنصات رقمية عملاقة حولت الإنسان نفسه إلى مادة خام ضمن اقتصاد البيانات.
وفي خضم هذا التحول العميق، يبرز سؤال الهوية الثقافية بإلحاح كبير. فإلى أي حد تستطيع الشعوب الحفاظ على موروثها الثقافي الأصيل أمام هذا المد الرقمي الجارف؟
ويعد كرنفال “بوجلود” الذي تحتفل به مناطق سوس بعد عيد الأضحى، أحد أبرز الأمثلة على هذا التحدي. فهذا الموروث الثقافي اللامادي ذو الجذور التاريخية العريقة في شمال إفريقيا، لم يبق بمنأى عن تأثيرات العصر الرقمي، حيث شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات عديدة تعكس رؤية الأجيال الجديدة للإبداع والاحتفال والتعبير الفني.
ومع كل دورة من دورات هذا الكرنفال، يتجدد الجدل بين تيارات فكرية مختلفة؛ فهناك من يدعو إلى الحفاظ على الأشكال التقليدية للموروث الثقافي، بينما تسعى أطراف أخرى إلى إخضاعه لقراءات أخلاقية أو دينية تمارس نوعا من الوصاية على إبداعات الشباب. غير أن واقع العصر الرقمي يجعل من هذه الوصاية أمرا بالغ الصعوبة، بل وربما مستحيلا في كثير من الأحيان.
فشباب اليوم لا يستمدون نماذجهم الثقافية من محيطهم المحلي فقط، بل يتابعون عبر المنصات الرقمية مختلف التجارب والكرنفالات العالمية، ويتفاعلون مع أنماط جديدة من التعبير والإبداع، ما يجعلهم أكثر ميلا إلى التجديد وإعادة إنتاج تراثهم وفق رؤيتهم الخاصة.
إن الرأسمالية الرقمية تشبه حصانا جامحا يصعب ترويضه أو إخضاعه للسلطات التقليدية التي كانت تؤطر المجتمع في السابق، سواء تعلق الأمر بالأسرة أو القبيلة أو المؤسسات الاجتماعية الكلاسيكية. كما أن تراجع أدوار الوسائط التقليدية في التربية والتوجيه، مقابل صعود المؤثرين وصناع المحتوى، ساهم في إعادة تشكيل القيم والتمثلات الثقافية لدى الأجيال الجديدة.
ومن هنا تبرز المخاوف من أن تتحول الهوية مستقبلا إلى مجرد رموز سيادية وحدود جغرافية، في وقت تتجاوز فيه المنصات الرقمية كل الحواجز وتعيد تشكيل أنماط التفكير والسلوك والاستهلاك الثقافي على نطاق عالمي غير مسبوق.
لذلك يبدو الحديث عن الحفاظ على الهوية كما ورثها الأجداد مسألة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه. فالتغيير لم يعد يتم بوتيرة بطيئة تسمح للمجتمعات باستيعابه، بل أصبح جزءا من دينامية يومية سريعة تقودها الخوارزميات والتقنيات الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويبقى السؤال مفتوحا: كيف يمكن إقناع شباب يعيشون في فضاء رقمي عالمي بحدود معينة للإبداع والتعبير، بينما هم جزء من منظومة اقتصادية وثقافية ضخمة تقوم أساسا على حرية الاختيار والتفاعل والانفتاح؟
إنها معادلة شديدة التعقيد بين الرغبة في صون الهوية والحفاظ على الخصوصية الثقافية، وبين واقع رقمي عالمي يتوسع باستمرار ويعيد تشكيل الإنسان وعلاقته بذاته وبثقافته وبالعالم من حوله.
وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد في منع التغيير، بل في كيفية التوفيق بين الأصالة والتجديد، وبين حماية الذاكرة الجماعية والانفتاح على المستقبل، حتى لا تتحول الهوية إلى مجرد ذكرى في عالم تحكمه الخوارزميات وتوجهه الرأسمالية الرقمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى