وجهات نظر

يونس المنصوري يكتب : من أعطى الحق لهؤلاء ليتحدثوا باسم المغاربة؟

 

في كل مرة تشتد فيها النقاشات حول المجتمع والسياسة والثقافة، يخرج علينا أشخاص يتحدثون بثقة مدهشة وكأنهم يحملون وكالة حصرية عن ملايين المغاربة. يفسرون ما يفكر فيه الشعب، ويحددون ما يريده، ويصدرون الأحكام باسمه، ويعلنون ما إذا كان واعياً أو جاهلاً، متقدماً أو متخلفاً، مستنيراً أو ضحية للتفاهة. وحين تستمع إلى بعضهم، يخيل إليك أن المغرب انتخبهم جميعاً ناطقين رسميين باسمه.

لكن قبل أن نناقش ما يقولونه، ربما يجدر بنا أن نتوقف عند سؤال أكثر أهمية: من أعطاهم هذا الحق أصلاً؟

الحقيقة أن أحداً لم يفعل.

فلا المثقف يملك تفويضاً أبدياً من المجتمع، ولا الإعلامي، ولا السياسي، ولا المؤثر الرقمي، ولا صاحب الشهادة العليا ولا صاحب الملايين من المتابعين. فالمغرب ليس قبيلة صغيرة تتحدث بصوت واحد وليس جمهوراً يجلس في مدرج واحد ينتظر من يفسر له نفسه. المغرب عالم كامل من التناقضات والاختلافات والتجارب المتباينة. هو ابن القرية الذي يفكر في الماء والطريق والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل والأم التي تبحث عن مدرسة أفضل لأبنائها، والطالب الذي يحلم بمستقبل مختلف، والمتقاعد الذي يراقب تغير الزمن بعين القلق.
ومع ذلك، يصر البعض على اختزال هذا التنوع كله في رأيه الشخصي.

المفارقة أن كثيراً ممن يشتكون اليوم من هيمنة التفاهة والشعبوية يقعون في الخطأ نفسه الذي ينتقدونه. فهم يتحدثون عن الناس أكثر مما يستمعون إليهم. يكتبون عن الشعب أكثر مما يعيشون بينه. يصفون المجتمع وكأنه موضوع للدراسة لا شريك في صناعة الرأي. وحين لا يتفاعل الجمهور مع خطابهم، يتهمون الناس بالسطحية ويتهمون المنصات الرقمية بإفساد الذوق العام، ويتهمون المؤثرين بسرقة الأضواء.

لكن هل سرق أحد الأضواء فعلاً؟
أم أن هناك من ترك المسرح فارغاً ثم غضب لأن غيره صعد إليه؟

هذه هي الزاوية التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها. فالمؤثر التافه لم يصنع الفراغ الثقافي، بل وجده. لم يخترع عزوف الناس عن الخطاب النخبوي، بل استفاد منه. لم يطرد المثقفين من الساحة، بل دخل إلى مساحة تركوها هم بإرادتهم أو بعجزهم عن فهم قواعد العصر الجديدة.

لقد تغير العالم بينما بقي جزء من النخب العربية يعتقد أن التأثير ما زال يمر عبر المنابر التقليدية والخطب الطويلة والمقالات التي لا يقرأها إلا أصحابها. تغيرت أدوات التواصل، وتغيرت طبيعة الجمهور، وتغيرت طريقة صناعة الرأي العام، لكن كثيراً من المثقفين ظلوا أسرى صورة قديمة عن أنفسهم باعتبارهم الحراس الطبيعيين للوعي.

في المقابل، فهم الآخرون شيئاً بالغ الأهمية: أن الانتباه أصبح العملة الأغلى في العصر الرقمي.

فهموا أن الناس لا تستهلك الأفكار المجردة فقط، بل تستهلك القصص والصور والرموز والعواطف. فهموا أن الهاتف الذكي أصبح أكثر تأثيراً من كثير من المنابر التقليدية. فهموا أن الوصول إلى الناس يحتاج إلى لغة يفهمونها لا إلى لغة تستعرض عليهم المعرفة من أعلى.

أما الإعلام التقليدي، فقد دخل بدوره في أزمة أكثر تعقيداً. فالمشكلة لم تكن في التكنولوجيا وحدها، بل في الثقة وعندما تهتز الثقة بين الإعلام والجمهور يصبح البحث عن بدائل أمراً طبيعياً. فالناس لا تغادر المنصات القديمة حباً في الفوضى دائماً، بل لأنها لم تعد تجد فيها ما يجيب عن أسئلتها أو يعكس واقعها أو يمنحها شعوراً بأنها مرئية ومسموعة.

وفي المغرب، كما في كثير من المجتمعات العربية، أصبحت أزمة التمثيل تتجاوز السياسة إلى الثقافة والإعلام والفضاء الرقمي. الجميع يتحدث باسم الشباب، لكن الشباب نادراً ما يجدون أنفسهم في هذا الكلام. الجميع يتحدث باسم الفقراء، لكن الفقراء لا يملكون المنابر نفسها. الجميع يتحدث باسم القرى والمناطق المهمشة، بينما كثير من هذه المناطق لا تحضر إلا كأرقام أو شعارات أو مادة للاستهلاك الخطابي.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية.
ليست المشكلة في وجود المؤثرين أو صناع المحتوى أو الأصوات الجديدة. فالتاريخ لم يعرف يوماً فراغاً في المجال العام. المشكلة عندما تتحول النخب إلى ضحية لصورتها المتخيلة عن نفسها. عندما تعتبر أن المعرفة تمنحها حق الوصاية. عندما تخلط بين امتلاك الفكرة وامتلاك المجتمع. عندما تتحدث إلى الناس كما لو كانوا تلاميذ في فصل دراسي لا مواطنين يمتلكون حق الاختيار والحكم والتقييم.

إن المجتمعات لا تُقاد بالاستعلاء، ولا تُبنى بالوصاية، ولا تتطور بإهانة الجمهور. ومن يريد التأثير في الناس عليه أولاً أن يحترمهم. ومن يريد أن يقود الوعي عليه أن ينزل إلى الشارع قبل أن يصعد إلى المنصة. ومن يريد أن يمثل المجتمع عليه أن يتعلم الإصغاء إليه قبل الحديث باسمه.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا انتشر المؤثرون؟

وليس: لماذا تراجع المثقفون؟

وليس حتى: لماذا أصبح الضجيج أعلى من المعرفة؟

السؤال الأهم هو: لماذا أصبح كثير ممن يدّعون تمثيل الناس أبعد الناس عنهم؟

لأن الأزمة في جوهرها ليست أزمة تفاهة، بل أزمة نخبة. ليست أزمة منصات، بل أزمة خطاب. ليست أزمة جمهور، بل أزمة من يعتقدون أنهم يفهمون الجمهور دون أن يسمعوا صوته.

وفي النهاية، لا يحتاج المغاربة إلى أوصياء جدد، ولا إلى ناطقين رسميين باسم عقولهم. ما يحتاجونه هو فضاء عام يحترم ذكاءهم، ويمنحهم الحق في التعبير عن أنفسهم، ويعترف بأن الحقيقة لا يحتكرها أحد.

فالشعوب لا تُختصر في منشور، ولا في خطاب، ولا في حساب على منصة اجتماعية. والشعب لا يتحدث بصوت واحد، بل بملايين الأصوات المختلفة.

أما الذين يتحدثون باسمه دون أن يفوضهم أحد، فربما عليهم أن يجيبوا أولاً عن السؤال الذي يطرحونه على الآخرين:

من أعطاكم الحق لتتحدثوا باسم المغاربة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى