مجتمع

إقليم اشتوكة أيت باها.. الشراكة نهج للتنمية والالتقائية خيار استراتيجي

مصطفى وغزيف

 

إذا كان هناك من سرّ يفسر الحركية المتسارعة للمشاريع في إقليم اشتوكة آيت باها، فهو النجاح الملموس للسلطة الإقليمية في تكريس “الالتقائية” كمنهجية عمل أساسية. ففي الجولات والتدشينات الميدانية، يغيب تماماً منطق التدبير القطاعي الكلاسيكي؛ إذ تتحرك برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية جنباً إلى جنب وبانسجام تام مع المجلس الإقليمي، ومجلس جهة سوس ماسة، والتعاون الوطني، والقطاعات الوزارية الوصية كالتربية الوطنية والصحة، بالإضافة إلى النسيج الجمعوي الفاعل.


هذا الحشد المؤسساتي المتكامل خلف المشاريع لا يهدف فقط إلى تعبئة التمويلات وتكثيف الجهود، بل يضمن بالدرجة الأولى “الحكامة والاستدامة”؛ فالرؤية الإقليمية تدرك جيداً أن تشييد المراكز الاجتماعية ينتهي في أشهر معدودة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في استمرارية تسييرها وصيانتها وتجويد خدماتها على المدى الطويل.
ويتحرك الإقليم اليوم برؤية متوازنة ذات بعدين: بعد اقتصادي رائد يمثله الاستثمار الزراعي العصري، وبعد اجتماعي متين تقوده استراتيجية الإدماج ومحاصرة الهشاشة. وبين هذين البعدين، يتم ضبط الإيقاع التنموي بهدوء وفعالية، لتحويل فلسفة المبادرة الوطنية من خطوط توجيهية إلى واقع ملموس يتنفس في تفاصيل الحياة اليومية للفئات الهشة بالإقليم.
*هندسة التميز: لماذا تُعتبر تجربة الإقليم “مدرسة ترابية”؟*
تستند القوة النوعية لنموذج اشتوكة آيت باها إلى ثلاث ركائز أساسية جعلته في طليعة التجارب التنموية:
الاستباقية في القراءة السوسيولوجية: لم ترتهن الإدارة الترابية للمقاربات المكتبية الجافة، بل واكبت ميدانياً واقع الشغيلة الزراعية التي تشكل عصب الاقتصاد المحلي، والتقطت بدقة الحلقات الإستراتيجية في السلسلة الاجتماعية، وفي مقدمتها: الطفولة المبكرة لأبناء العمال، وفئة ذوي الاحتياجات الخاصة.
الالتقائية كأرضية عمل مشتركة: حرص الإقليم على تذويب الحدود بين المتدخلين، فكل مشروع يرى النور هنا هو نتاج انصهار أفقي وتكامل وثيق يجمع السلطة الإقليمية، والمجالس المنتخبة، والقطاع الخاص، والنسيج الجمعوي الحركي.
المأسسة المستدامة بدل الحلول العابرة: الانتقال النوعي من منطق الدعم المناسباتي المؤقت إلى منطق “المؤسسات الاجتماعية المستدامة” (كالحاضنات والمركبات التخصصية) التي تضمن رعاية ممتدة وشاملة على مدار السنة.
إن “حاضنات اشتوكن” تمثل تحولاً جوهرياً في هندسة العمل الاجتماعي بالمنطقة، حيث تم تجاوز الحلول الظرفية نحو تشييد حصون تربوية واجتماعية مستدامة. إنها “جدران أمان” حقيقية، تُبنى اليوم لتضمن لأبناء وبنات العمال الزراعيين ولوجاً سَلساً لمنظومة التعليم الأولي وفضاءات الرعاية المتخصصة، لتفتح أمامهم آفاقاً واعدة للمستقبل، في وقت تواصل فيه سواعد والديهم العمل بجد لتغذية الأسواق الوطنية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى