وجهات نظر

يونس المنصوري يكتب : آسفي… المدينة التي لم تبن على افتراض الخطر

 

ليست الكوارث الطبيعية امتحانًا للسماء بقدر ما هي اختبار صارم للأرض ومن يديرها. فالمطر لا يفاجئ في بلدٍ تُسجَّل فيه، وفق معطيات رسمية، فترات متكررة من التساقطات المركزة خلال زمن وجيز، والسيول ليست ظاهرة جديدة في مدنٍ قامت تاريخيًا على مجاري أودية موسمية. وحدها المدن التي تُبنى خارج منطق الشك، وتُدار بعقلية الاطمئنان، هي التي تُفاجَأ.

ما وقع في آسفي لا يمكن اختزاله في “تساقطات استثنائية”، ولا في ضغط ظرفي على شبكة تصريف المياه. ما جرى يكشف خللًا أعمق في تصور المدينة ذاتها: غياب التخطيط المبني على افتراض الخطر، رغم أن المؤشرات الطبيعية والتاريخية كانت حاضرة بوضوح.

في ظرف زمني قصير، تعطلت الحركة، توقفت خدمات أساسية، وغمرت المياه أحياء سكنية منخفضة. غير أن اللافت لم يكن فقط حجم الخسائر، بل انكشاف الفضاء الحضري نفسه كعامل مفاقم للخطر. شوارع تحولت إلى مسارات لتجميع المياه، بنايات شُيّدت في مناطق معروفة بانخفاضها الطبوغرافي، وشبكات تطهير لم تُصمَّم لاستيعاب تدفقات مفاجئة.

واد الشعبة، الذي شكّل على مدى قرون جزءًا من هوية آسفي الاقتصادية والحرفية، ليس مجرّد مجرى مائي عابر. الوثائق التاريخية تُسجّل فيضانات متكررة عرفتها المدينة منذ القرن الثامن عشر، أبرزها في سنوات 1791 و1855 و1901 و1927، وهو ما جعل تدبير هذا الوادي موضوعًا مركزيًا في تدخلات التهيئة خلال فترة الحماية، حين أُنجزت قنوات وتصريفات خفّفت من حدة الفيضانات لعقود طويلة.

غير أن التحولات العمرانية التي عرفتها المدينة منذ الاستقلال، خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، غيّرت بشكل جذري علاقة المجال الحضري بالمجرى المائي. توسع سكني سريع، ضغط متزايد على الوعاء العقاري، وتراجع المساحات العازلة، كلها عوامل قلّصت قدرة الوادي على أداء وظيفته الطبيعية.

وفق معطيات التخطيط الحضري، تُصنَّف مناطق واسعة بمحاذاة الأودية ضمن المجالات المعرضة للمخاطر، وتُشترط فيها دراسات هيدرولوجية دقيقة قبل أي تدخل عمراني. غير أن الواقع الميداني يُظهر فجوة بين النصوص والممارسة، حيث تمدد البناء في مجالات حساسة دون تجهيزات وقائية موازية.

في هذا السياق، أعادت الأحداث الأخيرة إلى الواجهة النقاش حول مشاريع تهيئة الواجهة الساحلية، خاصة تلك المنجزة في محيط مصبات المياه. فقد أُعلن عن مشروع حماية وتثمين الساحل بكلفة تقارب 139 مليون درهم، شمل منشآت وقائية بمحاذاة البحر، ورافقته أشغال ترميم لمعلمة قصر البحر. وهي مشاريع ذات أهداف معلنة تتعلق بمحاربة تآكل السواحل وتحسين المشهد الحضري.

غير أن منطق التخطيط المتكامل يفرض تقييم الأثر التراكمي لهذه المنشآت، خاصة في ما يتعلق بتصريف السيول القادمة من اليابسة. فإغلاق المنافذ الطبيعية أو تغيير اتجاهات الجريان، دون حلول بديلة كافية، قد يؤدي إلى ارتداد المياه نحو الأحياء المنخفضة خلال فترات الذروة المطرية، وهو سيناريو معروف في تدبير المخاطر الحضرية.

الأخطر من الكارثة نفسها هو ما بعدها. فغالبًا ما تُعالج مثل هذه الأحداث بمنطق التدخل الاستعجالي: تعبئة، إصلاحات موضعية، ثم عودة سريعة إلى الوضع السابق. في حين تؤكد التجارب الدولية في تدبير المدن الساحلية أن الوقاية لا تُبنى بعد الكارثة، بل قبلها، عبر تحديث الخرائط، وتحليل سيناريوهات الفشل، وإدماج المعطى المناخي في كل قرار عمراني.

آسفي لم تغرق لأنها تفتقر إلى الإمكانيات، بل لأنها افتقرت إلى رؤية حضرية تفترض الهشاشة. مدينة استُثمر في واجهتها أكثر مما استُثمر في بنيتها العميقة، وتقدّم فيها منطق الصورة على منطق السلامة.

وما وقع ليس حالة معزولة، بل جزء من نمط يتكرر في مدن عديدة، حيث يُنظر إلى التخطيط كعملية توسع لا كمنظومة حماية. في ظل التحولات المناخية، لم يعد هذا المنطق قابلًا للاستمرار.

آسفي لم تغرق لأن المطر كان غزيرًا، بل لأنها لم تُبنَ كما لو أن الغرق احتمال وارد
والمدن التي لا تُدرّب نفسها على أسوأ السيناريوهات، ستظل تتفاجأ بما كان يمكن توقعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى