وجهات نظر

التبليغ القضائي عبر عنوان بطاقة التعريف تحول تشريعي يعيد رسم هندسة العدالة بين المسؤولية الفردية والنجاعة الإجرائية

ذ/ الحسين بكار السباعي

محام بهيئة المحامين لدى محاكم الإستئناف بأكادير وكلميم والعيون.

 

 

يعتبر إعتماد آخر عنوان مسجل ببطاقة التعريف الوطنية مرجع حصري للتبليغ تحول بنيوي في فلسفة العدالة الإجرائية بالمغرب، إذ ينقل المشرع مركز الثقل في هذا الإجراء المسطري الجديد إلى منطق المسؤولية الشخصية عن تحيين البيانات الرسمية. هذا التحول ينسجم مع الإتجاه العام الذي كرسه القانون 03.23 المعتبر بمثابة قانون المسطرة الجنائيةالجديد، والذي يقوم على ترسيخ السرعة الإجرائية، وتوحيد وسائل التبليغ، وتقليص هوامش التعذر في التبليغ بما يعزز الأمن القانوني ويحد من التعسفات الشكلية التي كانت تطيل أمد التقاضي دون موجب.

و يرتب هذا الإجراء قرينة قوية مفادها أن العنوان المدون في البطاقة الوطنية هو حجة على صاحبه في صحة التبليغ، وتترتب عليها جميع الآثار الإجرائية، فيعتبر التبليغ كامل وسليم متى تم وفق هذا السند الرسمي، ولو غاب التوصل الواقعي. ويستند هذا المسلك إلى مبدأ “العلم المفترض”، وإلى قاعدة حسن النية في التعامل مع المرافق العامة، بحيث يتحمل المواطن عبئ تحديث بياناته الشخصية بما يتناسب مع مصالحه الإجرائية. وعلى هذا الأساس، لم تعد المحكمة ملزمة بالبحث عن العنوان الفعلي والصحيح إلا عند وجود قرائن جدية تستوجب صون حقوق الدفاع، أو في الحالات التي يوجب القانون فيها بحث تكميلي وإضافي.

ويعد هذا التوجه الإجرائي منسجم مع تجارب مقارنة راسخة، فالقانون الفرنسي إعتمد منذ إصلاحات 2005 مبدأ التبليغ إلى العنوان المصرح به في الوثائق الإدارية، ويرتب كامل آثاره بمجرد إرسال الإشعار، ما لم يثبت الملزم وجود خطأ مادي تتحمل مسؤوليته الإدارة. أما القانون الإسباني فقد كرس عبر القانون رقم Ley 39/2015 قاعدة “domicilio a efectos de notificaciones”، التي تجعل العنوان الإداري المعتمد مرجع حصري للتبليغ، ولا يلتفت إلى تغيير السكن ما لم يصرح به رسميا. كما أخذت التشريعات الألمانية والبلجيكية بمبدأ مماثل، معتبرة أن عبء تحيين المعطيات جزء من الالتزامات المدنية للمواطن تجاه الدولة.

ومن خلال هذه الأمثال المقارنة نجد أن المشرع المغربي وضع نظام التبليغ على نفس الطريق الإجرائية السليم، بما ييسر عمل المحاكم ويحد من الإشكالات المتكررة المرتبطة بعبارات “غير مقيم”، و“العنوان مجهول”، و“تعذر التبليغ”، وهي عبارات كانت تربك حسن سير العدالة وتربك آجال الطعون والتنفيذ. إذ تعيد هذه المقاربة توزيع الجهد الإداري والقضائي نحو الفصل في جوهر القضايا بدل إستنزاف زمن البث في الملفات في إجراءات شكلية غير منتجة.

إلا أن هذا التحول لا يخلو من تحديات مهمة، فعدم تحيين العنوان قد يترتب عليه ضياع آجال الطعن أو صدور أحكام غيابية تمس مركز المتقاضي، مما يفرض على الإدارة مواكبة الإصلاح بحملات تحسيسية واسعة، وتبسيط مساطر التحيين، وربط قواعد البيانات بين الإدارات لضمان دقة المعلومات. فالتوازن بين فعالية الإجراء وضمانات الدفاع هو الشرط الجوهري لعدالة متوازنة تضمن حقوق المتقاضين دون تعطيل المرفق القضائي باسم الشكليات.

 

ختاما، إن التبليغ عبر عنوان البطاقة الوطنية ليس مجرد تقنية إدارية، بل إختيار تشريعي إستراتيجي يعيد رسم العلاقة بين المواطن والقضاء، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها تحمل الفرد لمسؤولية بياناته الشخصية، وتحرير المحكمة من العبئ غير المنتج للبحث عن الأطراف، في إنسجام مع أفضل التجارب القانونية والقضائية المقارنة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى