يوسف المنصوري يكتب : الذكاء الاصطناعي أداة تكنولوجية تكشف الإنسان أكثر مما تهدده

في خضم النقاش المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي، يتعامل جزء واسع من الرأي العام مع هذه التكنولوجيا الجديدة كما لو أنها قوة خارقة تهدد مستقبل الإنسان، بينما يعتبرها آخرون ثورة ستحلّ محلّ العقل البشري بالكامل. وبين هذين الموقفين المتناقضين، تضيع الحقيقة العلمية والاجتماعية في التفاصيل.
فالذكاء الاصطناعي، كما هو اليوم، ليس سوى أداة.
أداة متقدمة، صحيح لكنها لا تفكر ولا تبتكر رؤية، ولا تمتلك موقفًا ذاتيًا من أي قضية.
هي تُعيد صياغة ما ينتجه الإنسان… لكنها لا تنتجه مكانه.
الأداة تحتاج إلى الإنسان… قبل أن يحتاج الإنسان إليها ولهدا الذكاء الاصطناعي يعتمد في جوهره على البيانات والمعرفة التي يقدّمها البشر.
فشركات عالمية كبرى مثل Google، Meta، OpenAI، Amazon، تبني أنظمتها انطلاقًا من مجهودات بشرية هائلة:
باحثون، لغويون، مبرمجون، وملايين المستخدمين الذين يغذّون النماذج يوميًا بمحتوى وتجارب ورؤى.
فلو كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على التفكير المستقل، لما احتاجت هذه الشركات إلى آلاف الخبراء لصيانته وتطويره.
الكتابة والفكر… ليستا امتيازًا لطبقة محددة
في المجتمعات التقليدية، كان يُنظر إلى الكتابة باعتبارها حكرًا على الصحفيين والأدباء والأكاديميين.
لكن التحولات الرقمية كسرت هذا “الاحتكار”.
اليوم، شاب من قرية صغيرة قد ينتج نصًا أو رأيًا يهز الرأي العام أكثر مما قد يكتبه صاحب منصب أو شهادة عليا.
وهذه نقطة أساسية في النقاش:
التعبير ليس امتيازًا، بل حق.
والذكاء الاصطناعي لم يُلغِ هذا الحق… بل وسّع مساحته.
ظاهرة مهاجمة الذكاء الاصطناعي… محاولة للتحكم في السردية واللافت أن جزءًا ممن يهاجمون الذكاء الاصطناعي علنًا، يستعملونه سرًا في إدارة مواقعهم وفي صياغة محتوياتهم وحتى في تحليل المعطيات الخاصة بمؤسساتهم.
بل إن مؤسسات إعلامية كبرى تعتمد عليه في مراحل التحرير الأولى:
رويترز، نيويورك تايمز، BBC، بلومبيرغ…
كلها تستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع العمل، دون أن تتخلى عن دور الصحفي في القرار التحريري.
هذا التناقض يكشف جزءًا من الحقيقة:
بعض الأصوات تهاجم الأداة ليس خوفًا على “الإبداع”، بل خوفًا من فقدان “السيطرة” على السردية.
فالذكاء الاصطناعي يتيح للجميع فرصة التعبير، ويُسقط من كانوا يحتكرون المشهد بدعوى “التخصص”.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان… بل يفضحه و التكنولوجيا لا تقصي صاحب الفكرة، بل تكشفه.
تكشف من يفكر ومن يكرر.
تكشف من يملك موقفًا ومن يختبئ وراء زخرفة لغوية بلا مضمون.
وفي النهاية، يظل الإنسان أساس العملية الإبداعية:
الوجدان التجربة الحدس والسياق…. كلها عناصر لا يمكن للآلة أن تستوعبها كما يفعل العقل البشري.
الذكاء الاصطناعي اليوم ليس خطرًا على الكتابة أو الفكر، بل مجرد امتداد طبيعي لأدوات التعبير التي عرفها الإنسان عبر التاريخ: من الريشة إلى القلم ومن المطبعة إلى الحاسوب ومن الحاسوب إلى النماذج الذكية.
والمشكل الحقيقي لا يكمن في التطور التكنولوجي، بل في طريقة تعاملنا معه:
هل نستعمله لتعزيز قدرتنا على التفكير؟
أم نتخذه ذريعة للهروب من مسؤولية الفكرة؟
في كل الأحوال، تبقى القاعدة واضحة:
الأداة لا تصنع الكاتب… والآلة لا تصنع الإنسان.



