وجهات نظر

يونس المنصوري يكتب: يسار يليق بالمغرب… من أزمة الخطاب إلى أزمة الوظيفة

لم تعد أزمة اليسار المغربي اليوم مجرّد انحسار تنظيمي أو فتور جماهيري عابر، بل باتت أزمة بنيوية تمسّ عمق وجوده كفاعل داخل النسق السياسي والاجتماعي. فالحديث عن تراجع اليسار لم يعد مرتبطًا بانطفاء الفكر الاشتراكي عالميًا أو بانهيار الإيديولوجيا، بقدر ما أصبح مرتبطًا بفقدان هذا المكوّن لدوره التاريخي ووظيفته داخل المجتمع والدولة على حدّ سواء.

من يسار المواجهة إلى يسار بلا وظيفة تاريخيًا، وُلد اليسار المغربي في سياق الصراع مع السلطوية، وتشكّل وعيه السياسي داخل لحظة كانت المقاومة فيها جزءًا من الشرعية. لكن ما إن انتقلت الدولة إلى منطق الانفتاح والتحكيم المؤسساتي منذ التسعينيات، حتى وجد اليسار نفسه أمام سؤال جديد: كيف يتحول من يسار احتجاج إلى يسار تدبير؟

هذا التحول فرض ضرورة إعادة تعريف الذات السياسية على قاعدة البرامج، والمؤسسات، والسياسات العمومية؛ غير أن اليسار لم يستطع إنجاز هذا الانتقال. فظلّ يحافظ على قاموسه القديم، محاصرًا بين ذاكرة المواجهة ومسؤوليات الحاضر، بين خطاب أخلاقي موروث ومتطلبات عصر جديد لا يرحم من لا يمتلك أدوات الفعل.

انهيار “العقد الرمزي” بين اليسار والمجتمع الأزمة لم تعد تنظيمية فقط. إنها انكسار في ما يمكن وصفه بـالعقد الرمزي الذي جمع اليسار بفئات واسعة من المجتمع. فالفئات الوسطى، التي كانت خزانًا انتخابيًا وفكريًا لليسار، لم تعد ترى فيه تمثيلًا جديًا لمصالحها أو رافعًا لهمومها الاقتصادية والاجتماعية. أما الطبقات الهشة، فقد فقدت الثقة في خطاب العدالة الاجتماعية الذي تراجع من مشاريع إصلاحية واضحة إلى شعارات عامة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

تقلص حضور اليسار في النقابات، تراجع وزنه في الحقول المهنية، انكمش حضوره الانتخابي… وكلّها مؤشرات على انحسار القدرة على التأطير وإعادة إنتاج النخب، وهو ما كان تاريخيًا ركيزة قوته.

اليسار وسؤال الشرعية: ماذا يمثل؟ ومن يمثل؟

مع صعود الدولة الاجتماعية بصيغتها الجديدة برامج الدعم، التغطية الصحية، إصلاح المنظومات الترابيةوجد اليسار نفسه في موقع المتفرّج. فبينما دشّنت الدولة مشاريع ضخمة لإعادة توزيع الأدوار ووضع سياسات عمومية ذات بعد اجتماعي، بقي اليسار يشتغل بخطاب ماضوي، يدافع أكثر مما يقترح، ويستعيد ذاكرة أكثر مما يحلل الحاضر.

هنا تَشكَّل سؤال المشروعية من جديد:

ماذا يمثل اليسار في الحقل السياسي؟ ومن هم فعلاً من يُمثّلهم؟

أسئلة لم تعد بالهامش، بل صارت في قلب أزمة الوجود.

من ثقافة الاحتجاج إلى ثقافة السياسات العمومية

إن اليسار الذي يليق بالمغرب اليوم، هو اليسار الذي يفهم التحول الكبير الذي تعرفه الدولة الحديثة:

من دولة “الرعاية” إلى دولة “السياسات العمومية”

من الاحتجاج إلى التقييم

ومن بناء الشعارات إلى بناء بدائل قابلة للتنفيذ.

فجوهر اللحظة السياسية الحالية يقوم على طلب اجتماعي واضح:

من يملك القدرة على تقديم حلول واقعية داخل الإطار الدستوري والمؤسساتي القائم؟

وهنا لم يعد أمام اليسار ترف البقاء في موقع “المعارضة الرمزية” أو “المشاركة الصامتة”. فالمواطن اليوم لم يعد يميز بين من يحكم ومن يعارض؛ الجميع محاسب أمام النتائج، لا أمام الخطابات.

اليسار الذي يحتاجه المغرب ليس يسارًا هوياتيا مشغولًا بتأكيد انتماءاته التاريخية، بل يسارًا براغماتيًا بذكاء فكري، قادرًا على إنتاج معرفة سياسية جديدة، وفهم بنية السلطة والاقتصاد وتحليل التحولات المجتمعية الكبرى.

 

يسارٌ يعيد الاعتبار لمبدأ العدالة الاجتماعية ضمن تصور شامل يرتبط بـ:

التنمية البشرية

الحماية الاجتماعية

التنظيم الترابي

اقتصاد المعرفة

الفعل المدني

مراقبة السياسات العمومية

لا يسارًا يحتمي بالخطاب الأخلاقي أو الإرث الرمزي.

 

الخلاصة: أثر لا مجرد وجود كما قال عبد الرحيم بوعبيد:

“إن النضال الحقيقي لا يقاس بما نكسبه من مواقع، بل بما نمنحه من معنى للعمل السياسي.”

إن اليسار الذي يليق بالمغرب هو اليسار الذي يجرؤ على إعادة بناء ذاته، لا على مستوى الخطاب فقط، بل على مستوى الوظيفة والدور والموقع داخل الدولة والمجتمع.

يسار يسعى لإحداث أثر… لا مجرد تسجيل حضور.

يسار يملك الكفاءة والاقتراح… لا الاكتفاء بالذاكرة والشعارات.

هذا هو اليسار الذي يحتاجه المغرب اليوم:

ليس يسار الأمس، ولا يسار الشعارات

بل يسار المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى