يونس المنصوري يكتب : بالأحمر حين ينهار “الارتفاع الوهمي” وتتكشف بنية الصعود في المشهد المهني

في الحياة العامة كما في الحقول المهنية، لا تنهار البُنى دفعة واحدة؛ إنها تتشقق أولًا، تُصدر أصواتًا خافتة، ثم ينكشف فجأة أنّ السقف الذي كنا نراه عاليًا… لم يكن يومًا سقفًا، بل لوحًا من خشبٍ رقيق معلّق بخيوطٍ تُحرّكها المصالح.
«قد ما ركبتي دابا دْنزل»
مثلٌ مغربيّ يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في عمقه قراءة اجتماعية لآليات الوجاهة في هذا البلد.
يقوله الناس حين يرون “ارتفاعًا” لا تسنده قيمة، و”علوًا” لا يحمله أثرٌ حقيقي.
ارتفاعٌ شبيه بالأحلام التي ترفعها الريح ثم تسقطها الريح… لأن ما صعد بلا أساس، ينزل بلا مقدمات.
اليوم، نحن أمام مشهدٍ يفضح —مرة أخرى— هذه الثقافة المتجذرة: ثقافة الوجاهة المعلّبة، والسلطة الرمزية التي تُمنح بقرارات، لا تُكتسب بالعمل.
مشهدٌ يكشف هشاشة النفوذ حين ينفصل عن الكفاءة، وحين يستند إلى هندسة تنظيمية بدل أن يستند إلى حضور فكري أو مشروع مهني.
في عمق الأزمة التي يعرفها الوسط المهني، لا يهم اسم الشخص ولا تفاصيل الواقعة بقدر ما يهم الدرس البنيوي:
أن النفوذ الذي يُمارَس من خارج شروطه الأخلاقية يتحوّل إلى عبء على صاحبه أولًا، ثم على المؤسسات التي حاول الاحتماء بها.
فالمؤسسات المهنية، مهما تعددت عناوينها، ليست دروعًا تُستعمل في الأزمات، بل هي منظومات قيم.
ومن يقترب منها دون أن يملك حدًّا أدنى من الوعي بهذه القيم، ينتهي حتماً بوضعها في موقف حرج، ويضع نفسه في مواجهة الفراغ الذي ظلّ يخفيه خلف الألقاب.
إنّ ما يجري اليوم لا يكشف أزمة فرد، بل أزمة ثقافة كاملة تُفضّل الشكل على الجوهر، وتُعطي للموقع سلطة أكبر من سلطة المعنى.
ثقافةٌ جعلت بعض المسارات المهنية أشبه بسلالم لا تقود إلى الأعلى، بل إلى فراغ معلّق في الهواء.
إذ ليس كل من صعد… ارتقى.
وليس كل من نزل… سقط.
في لحظات الارتباك الكبرى، يُصبح السؤال الحقيقي:
ما الذي يبقى من الإنسان حين تتوقف الرافعات عن رفعه؟
الجواب واضح، ومؤلم في الآن ذاته:
يبقى ما كتبه، ما قدّمه، ما تركه من أثر.
ومن لم يترك أثرًا، يجد نفسه في مواجهة صمتٍ ثقيل، يشبه صمت الصفحات البيضاء.
ولهذا، فإن ما نعيشه اليوم ليس مجرد “حادث”، بل فرصة لإعادة النظر في البنية الداخلية للحقل الإعلامي والمهني: كيف يُمنح النفوذ؟ كيف يُمارس؟ وكيف يُحاسَب من يسيء استعماله؟
فبين الارتفاع الحقيقي والارتفاع المعلّق خيط واحد:
الأول يبنيه صاحبه بالحبر والموقف والجرأة،
والثاني ترفعه الإجراءات وتسقطه أول عاصفة.
ومهما تبدلت الوجوه والأسماء، يبقى الخلاصة نفسها:
في نهاية المطاف، لا يحفظ التاريخ إلا من حملوا قيمة، لا من حملتهم الكراسي.



