إسماعيل بخوت يكتب : مأزق الهوية

تفحص مليًا اسمها وهو يرفع رأسه، كان مكتوبًا بحروف لاتينية. أعاد قراءته، فتش بين تلافيف ذاكرته، حرّك رأسه بإيجاب، إنه أحد أعلام الحضارة الغربية. فاضت دواخله بالغيظ، كأنه يتساءل: هل لم يستطيعوا أن يجدوا اسمًا من أعلامنا ورواد ثقافتنا؟
شدته ألوان الجدران وهو يتجاوز المدخل، كل شيء نظيف ومرتب في مكانه، لا فرصة للعشوائية أن تطفو فوق السطح. حيّا من ينتظرون بداية الحصة مثله، جلس بجانبهم، واستنتج غياب مكانٍ يأويهم. كلٌّ في عالمه يفتش في هاتفه، لا أحد ينتبه لوجود الآخر. الكل جاء هنا لمهمة وفقط.
توقفت الحافلات أمام باب المؤسسة، فتدفقت أفواج التلاميذ من أبوابها من مختلف الأعمار، وتحرك العاملون بالمؤسسة ليقوم كل واحد بدوره. أطلق العنان لنظره يتملى وجوه من قدموا من أجل التعلم: هل فعلاً يستحضرون ذلك كل صباح؟
استشعر التباين بين ما عهده وما يراه أمامه. لكزه أحد الأصوات في دواخله: كفّ عن مقارنتك، لم يرضعوا من نفس الثدي، هم أبناء عصرهم. أراد التعقيب، ففضل الصمت. حمل حقيبته وتوجه إلى قسمه، والاختناق يقبض أنفاسه.
قذفته إحدى المسؤولات عن التلاميذ بابتسامة خفيفة خالية من أي تعبير، وأشارت بإصبعها إلى القسم، فشكرها بالطريقة نفسها. الكل في هذا العالم يمثل دوره حتى تنتهي مهمته.
وجد العديد منهم في القسم بعد أن دخل، حاول تهدئة مشاعره دون جدوى، انتظر عدة دقائق ثم بدأ. اندفع بعض من تأخروا إلى الداخل دون إذن، وأحدهم يضع السماعات في أذنيه. تفحص ملامحهم، واستشعر برودهم كأنهم لم يفعلوا شيئًا. استشف بعد ذلك أنها قاعدة في عالمهم، وقال في نفسه فعلاً: le client c’est le roi حسب عقيدتهم.
انتظر حتى عمّ الصمت، ثم عاد لمتابعة عمله. كان يشتغل مع شرذمة قليلة في مقدمة الصفوف، والباقي دوره التشويش وجر الحصة خارج الدرس، غير مهتم بما يعتصر المعلم من كلام غير قادر على شد انتباهه.
كان يتفحص ويقف عند كل شيء عند متعلميه: طريقة قص وتسريحة شعرهم، كلامهم، طريقة ارتدائهم. لفتت انتباهه إحداهن بملامح تفيض حياء، وفي أغلب الأحيان لا تنظر إليه مباشرة، كانت على غير إيقاع جرأتهم، لكنها دائبة وسط ما يلتحفونه.
كان يحرك رأسه يمينًا ويسارًا في فترة عصبيته مع أحدهم من أجل أن يلتزم الصمت، وقال بصوت خافت: من أي نهر يمتحون أصول تربيتهم؟ حقا إنهم جيل وقح!
تبادرت إليه الرغبة في العديد من الأحيان أن يحدث الإناث في طريقة ارتدائهن، لا يَبُت لباسهم لأمتنا بصلة. كبحها، فشل قبل أن يخوض في الموضوع مرارًا.
ظل الجو على ما هو عليه فيما تبقى من السنة، صارع نفسه مرارًا من أجل القدوم، دب في دواخله النفور، حاربته أصوات عديدة لم يستطع مجاراتها، كانت تصرخ في وجهه: أنت تريد المثالية في القسم؟ تعلّم كيف تقضي حصتك بأقل الأضرار!
فاندفع أحدهم بوقاحة: تعلّم كيفاش تاكل الخبز معاهم!
أنهى أيامه القليلة التي اشتغل معهم بصعوبة، أثنى عليه المدير، شكره على تلبية النداء في آخر السنة، وأخبره أنه في الموسم المقبل معهم. حرّك رأسه بإيجاب وغادر.
استنشق هواء الخيبة عند بداية الموسم الدراسي،كان خارج القائمة دون أن يعلم. تذكر ملامح المدير، أتقن الدور. شعر بأن لا شيء يُؤتمن اليوم، وتمنى في دواخله فقط أن يخبره. فتسابقت الأصوات في دواخله بالرد: لماذا يخبرك؟
– على الأقل لأعرف.
– إنها المدرسة المقاولة يا رجل، حيث لا مكان للبعد الإنساني والأخلاقي…
ألجم عقله عن الرد، ولوح بأسئلته في سلة المهملات وهو يرتشف قهوته الصباحية. انجلت نقاط الألم التي طبعت فؤاده بعد مرور الوقت، فهكذا هو الألم ينزوي فينا دفعة واحدة ويغادرنا رويدًا رويدًا.
أوقفه منشور وهو يأخذ جرعته اليومية من مواقع التواصل، عاد به إلى ذلك المكان. تفحص وجهها من وسط الوجوه الظاهرة في الصورة، قال في نفسه: إنها سلمى. لم يستغرب، فقد استشف آنذاك تميزها. طرح العديد من الأسئلة في نفسه: ماذا حدث؟ ما الذي دفعها؟ هرع يفتش ويقرأ التعاليق فوجد مراده. علقت إحدى صديقاتها الافتراضيات بالقول: سلمى بالفولار، حقًا جميلة.
فباغتها أحدهم بسؤال أمام الملأ على صورتها المنشورة برفقة أصدقائها في القسم:
– ولماذا حتى الآن؟ ما الذي دفعك لذلك؟
فأجابت: للعائلة، والوسط، والمدرسة التي نحيا بينهم دور. هي تفعل ما تراه وتدفعها إليه الأسرة حتى تجد نفسها تتبنى ذلك المنهج، هذا ما فعلت للأسف.
لكن التبصر ولو بعد حين يجعلنا نعيد ترتيب الأمور في حياتنا.



