سياسة

الإصلاح الانتخابي في المغرب.. هل يعيد القانون ما فقدته السياسة؟ 

عاد النقاش حول إصلاح المنظومة الانتخابية المغربية ليحتل واجهة النقاش العمومي والسياسي، مع اقتراب استحقاقات 2026.

لكن ما يثير الانتباه، كما تشير دراسة علمية منشورة في المجلة العربية للنشر العلمي، ليس تعدد المقترحات بقدر ما هو التحول في طبيعة الأسئلة التي تُطرح حول معنى العملية الانتخابية نفسها: من يملك شرعية الإشراف؟ وما وظيفة الاقتراع حين تفقد السياسة قدرتها على الإقناع؟

هذه الدراسة، التي أنجزها الدكتور أشرف الطريبق والدكتور عبد الرزاق المسكي، باحثان في القانون العام والعلوم السياسية، حاولت تفكيك هذا التحول عبر قراءة نقدية لمذكرات أحزاب المعارضة، وربطها بالسياق الاجتماعي والسياسي الذي أعاد طرح سؤال الثقة من جديد.

الدولة والانتخابات.. من المشروعية إلى الثقة

يلاحظ الباحثان أن أغلب مقترحات المعارضة تتمحور حول دمقرطة الإشراف على الانتخابات وإحداث هيئة وطنية مستقلة عن وزارة الداخلية، في محاولة لتجسيد مبدأ الحياد المؤسساتي.

ويؤكدان أن هذا المطلب يتجاوز البعد الإداري، لأنه “يُعبّر عن رغبة عميقة في إعادة توزيع السلطة بين الدولة والمجتمع السياسي”.

فالإشراف المستقل، في رأي الدراسة، ليس مجرد آلية تقنية، بل رمز لتحوّل الدولة من فاعل إلى ضامن، ومن مُسيطر إلى مُحكّم.

وهذا التحول، إن تحقق، سيمنح المواطن إحساسًا بأن صوته لم يعد مجرد إجراء شكلي، بل فعل ثقة في مؤسسات الدولة.

القاسم الانتخابي.. أزمة رقم أم أزمة معنى؟

وفي محور القاسم الانتخابي، تشير الدراسة إلى أن الجدل القائم لا يمكن اختزاله في الصيغ الحسابية، لأن النقاش الحقيقي يتمحور حول التمثيلية كمفهوم سياسي.

فهل الغاية من الانتخابات إنتاج أغلبية مستقرة أم تمثيل الإرادة الشعبية بكل تنوعاتها؟

يجيب الباحثان بأن “القاسم الانتخابي ليس مجرد نسبة مئوية، بل تعبير عن فلسفة في الحكم”.

ويضيفان أن المقارنة مع التجربة الألمانية أو الإسبانية تُظهر أن العدالة التمثيلية لا تنفصل عن ثقافة التوافق، وأن أي إصلاح تقني لن ينجح إذا لم يُواكبه تجديد في الثقافة السياسية نفسها.

المال العمومي والسياسة.. من المحاسبة إلى الأخلاق

في ما يتعلق بـ تمويل الأحزاب السياسية، تسجّل الدراسة أن المعارضة المغربية اقترحت تحويل الدعم العمومي إلى أداة لتقويم الأداء الديمقراطي بدل اعتباره منحة مالية.

ويشير الباحثان إلى أن التجارب الأوروبية، خاصة في فرنسا، تُقدّم نموذجًا متقدمًا في هذا المجال، حيث يُربط التمويل بالمردودية السياسية وباحترام المعايير الأخلاقية في تدبير المال العام.

ويرى الباحثان أن “القانون مهما بلغ من الدقة لا يمكن أن يُعيد الثقة ما لم يتجذر الإحساس الأخلاقي بالمسؤولية”.

فالتمويل في نهاية المطاف ليس مجرد رقم في الميزانية، بل تجسيد لعلاقة أخلاقية بين المواطن والدولة.

المناصفة.. المساواة كاختبار للديمقراطية

وفي محور المناصفة والتمييز الإيجابي، تؤكد الدراسة أن المعارضة جعلت من المناصفة اختبارًا لمصداقية الديمقراطية المغربية.

فحزب التقدم والاشتراكية اقترح نظام التناوب بين الجنسين داخل اللوائح، بينما دعا الحزب الاشتراكي الموحد إلى تمكين النساء من ولايتين متتاليتين.

ويعتبر الباحثان أن هذا النقاش يتجاوز الحقوق الفردية ليصبح سؤالًا عن التمثيلية الجماعية: من يحق له أن يتكلم باسم من؟

ويضيفان أن المناصفة، كما تبلورت في فرنسا وإسبانيا، ليست مجرد توازن عددي بل مؤشر على نضج المجتمع في قبول المساواة كممارسة سياسية لا شعارًا حقوقيًا.

بين النص والوعي.. الديمقراطية كمشروع ثقافي

تخلص الدراسة إلى أن القانون وحده لا يصنع الديمقراطية، بل يفتح أفقًا لبنائها.

ويشير الباحثان إلى أن الإصلاح الانتخابي في المغرب يشكل اليوم فرصة لإعادة التفكير في معنى المواطنة والتمثيل والثقة، بعيدًا عن الجدل التقني.

ويؤكدان أن “الانتخابات المقبلة لن تكون امتحانًا للقوانين فحسب، بل لثقافة سياسية كاملة”، وأن السؤال الذي يطرحه الإصلاح ليس كيف ننتخب؟ بل لماذا ننتخب؟.

ويختمان بالقول إن “إعادة الاعتبار للسياسة تبدأ بإعادة الاعتبار للثقة، وإن الإصلاح الانتخابي، في جوهره، محاولة لاستعادة ما فقدته السياسة من معنى”.

نُشرت هذه الدراسة في “المجلة العربية للنشر العلمي”، وهي مجلة علمية دولية محكّمة (الإصدار الثامن – العدد الخامس والثمانون).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى