وجهات نظر

حين يحتجّ أساتذة التعليم الأولي بكرامة… إقليم الخميسات ينجح في تجسيد صورة تختصر معاناة قطاع بأكمله

إبراهيم بيه

 

الوقفة التضامنية أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026.. احتجاج سلمي راقٍ ورسالة قوية من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية
في مشهد يجمع بين قوة الرسالة ونبل التعبير، جسّد أساتذة وأستاذات التعليم الأولي من إقليم الخميسات، خلال الوقفة التضامنية التي شهدتها العاصمة الرباط يوم 19 أكتوبر 2026 أمام البرلمان، والتي دعى لها التنسيق الوطني ، نموذجًا راقيًا للاحتجاج السلمي، من خلال صورة معبّرة تختزل حجم المعاناة، وتترجم تشبث هذه الفئة بحقوقها المشروعة في الكرامة والإنصاف والاستقرار المهني والاجتماعي.
لم تكن تلك الصورة مجرد لقطة عابرة في مسار احتجاجي، بل كانت تعبيرًا حضاريًا عن وعي تربوي وحقوقي متقدم، ورسالة بليغة تؤكد أن الاحتجاج لا يحتاج إلى الصخب حتى يكون قويًا، ولا إلى العنف حتى يكون مؤثرًا؛ فبعض الصور تختصر ما تعجز عنه الخطب الطويلة، وتوصل إلى الرأي العام حقيقة أوضاع اجتماعية لم يعد من المقبول تجاهلها.
إن ما عبّر عنه أساتذة وأستاذات التعليم الأولي هناك يشكل نقلة نوعية في أساليب الاحتجاج السلمي والراقي، حيث تتحول الصورة إلى خطاب إنساني، ويصبح السلوك الحضاري وسيلة للدفاع عن الحقوق، ويغدو الحضور الميداني رسالة واضحة مفادها أن المطالبة بالإنصاف ليست خروجًا عن الواجب، بل دفاع عن الكرامة المهنية وحق مشروع تكفله المبادئ الحقوقية.

*أي مفارقة هذه التي يعيشها قطاع التربية والتعليم في زمن الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة؟*

من المؤسف، بل من المخجل أن نجد في هذا العصر، الذي يفترض أن يكون عصر التقدم والإنصاف وتكافؤ الفرص، أساتذة وأستاذات يساهمون في بناء الأجيال الأولى من أبناء الوطن، ويتحملون مسؤولية تربوية وتعليمية بالغة الأهمية، بينما لا تتجاوز أجورهم في حالات عديدة مستوى الحد الأدنى للأجر، في وقت تتزايد فيه متطلبات الحياة وتتسع فيه الأعباء الاجتماعية.
فكيف يمكن الحديث عن إصلاح المنظومة التربوية وتجويد التعلمات، *دون ضمان الاستقرار المهني والاجتماعي لمن يتولون مهمة التربية في مراحلها الأولى؟*
وكيف يمكن مطالبة الأستاذ بالعطاء المستمر، وبناء شخصية الطفل وتنمية قدراته، *بينما يظل هو نفسه منشغلًا بتدبير متطلبات العيش ومواجهة الغلاء والقلق بشأن المستقبل؟*

إن التعليم الأولي ليس قطاعًا هامشيًا أو مرحلة ثانوية في مسار إصلاح المدرسة المغربية، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الطفل، وتُرسى من خلاله اللبنات الأولى للتعلم والتنشئة. ومن ثم، فإن الاستثمار في هذا القطاع لا يمكن أن يقتصر على توسيع عدد الأقسام وتعميم العرض التربوي، بل يجب أن يشمل أيضًا تحسين أوضاع العاملين فيه، والاعتراف بمكانتهم المهنية، وضمان حقوقهم واستقرارهم.
حكومة ننتظر منها أن تجعل العدالة الاجتماعية واقعًا ملموسًا
إن المغاربة يتطلعون إلى حكومة تقود البلاد نحو مزيد من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وتترجم شعارات الإصلاح إلى سياسات عمومية منصفة، تستحضر أوضاع الفئات التي تتحمل مسؤوليات أساسية في خدمة المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن ملف أساتذة وأستاذات التعليم الأولي ينبغي أن يحظى بما يستحقه من اهتمام ومسؤولية، بعيدًا عن المقاربات الظرفية أو الحلول الجزئية التي لا تعالج جذور الاختلالات. فليس من المنطقي أن نتطلع إلى السير بخطوات ثابتة نحو مصاف الدول المتقدمة، بينما تظل فئة تؤدي وظيفة تربوية أساسية تعاني هشاشة الأجور وعدم الاستقرار المهني.
إن بناء الدولة الاجتماعية لا يتحقق بالخطابات وحدها، بل يبدأ من إنصاف العاملين، وصون كرامتهم، وضمان شروط العيش الكريم لهم ولأسرهم. كما أن ترسيخ الثقة في المؤسسات يمر عبر الاستجابة الجادة للمطالب المشروعة، وفتح حوار مسؤول يفضي إلى حلول ملموسة ومستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز مطالب أساتذة وأستاذات التعليم الأولي، وفي مقدمتها تحسين الأجور، وتسوية الوضعية المهنية والإدارية، وضمان الاستقرار الوظيفي، ووضع إطار قانوني واضح يحفظ الحقوق ويحدد الواجبات، وإنهاء أشكال الهشاشة التي تؤثر في مستقبل العاملين وفي جودة الخدمات التربوية المقدمة للأطفال.
رسالة من الأساتذة إلى المسؤولين:
*كرامة الأستاذ جزء من كرامة المدرسة المغربية*

إن هته الصورة التي جسّدها أساتذة وأستاذات التعليم الأولي أمام البرلمان تستحق أن تُقرأ باعتبارها رسالة إنسانية وحقوقية تتجاوز حدود الإقليم، وتعكس انشغالات فئة واسعة من العاملين في هذا القطاع على المستوى الوطني.
إنهم لا يطالبون بامتيازات خارج المنطق، ولا بحقوق استثنائية، وإنما بإنصاف يتناسب مع حجم المسؤولية التي يتحملونها، وبأجر يحفظ الحد الأدنى من الكرامة، وباستقرار يسمح لهم بأداء رسالتهم التربوية في ظروف تحفظ كرامتهم وتصون مستقبلهم.
وإذا كانت الدول المتقدمة تقاس بما توفره لمواطنيها من فرص عادلة وشروط حياة كريمة، فإن إصلاح التعليم المغربي يجب أن يبدأ أيضًا من الاعتراف بقيمة الإنسان الذي يصنع بدايات التعلم، ومن وضع حد للمفارقة بين أهمية المهمة التربوية وهزالة المقابل المادي الذي يتقاضاه بعض القائمين عليها.
لقد كانت وقفة 19 أكتوبر 2026 مناسبة لتجديد التأكيد على أن الاحتجاج السلمي الراقي ليس ضعفًا، بل تعبير عن قوة الموقف ونضج الوعي. وستظل الصورة التي قدمها هؤلاء الاساتذة شاهدًا على أن الدفاع عن الكرامة يمكن أن يكون راقيًا في شكله، قويًا في رسالته، ومشروعًا في مطالبه.
فلا إصلاح حقيقي للتعليم دون إنصاف نساء ورجال التعليم، ولا عدالة اجتماعية مكتملة ما دامت كرامة المربي وأمنه الاجتماعي موضع انتظار.
إنصاف أساتذة وأستاذات التعليم الأولي ليس مجرد مطلب فئوي، بل استثمار في مستقبل المدرسة المغربية، وفي حق أطفالنا في تعليم جيد، وفي حق العاملين فيه في حياة كريمة تليق برسالتهم النبيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى