أول امراة مستشارة لجلالة الملك في التاريخ، “الوجدية” الراحلة زليخة نصري ومسار امرأة استثنائية

ابراهيم ادريسي
في إطار التعريف برجال ونساء جهة الشرق، ومدينة وجدة على وجه الخصوص، ممن أعطوا الكثير للمغرب وأسهموا بكفاءتهم ونزاهتهم في بناء الدولة الحديثة، نخصّص مقال اليوم للمرأة الحديدية، والكفاءة الوطنية الرفيعة، مستشارة صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الراحلة زليخة نصري، وذلك بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاتها رحمها الله، تخليدًا لمسار امرأة صنعت الاستثناء وكسرت السقوف الزجاجية في أعلى دوائر القرار.
مسار علمي ومهني متفرد
لم تكن زليخة نصري اسمًا عابرًا في سجل النخب الإدارية المغربية، بل كانت نموذجًا للمرأة التي جمعت بين التكوين الأكاديمي الصارم والالتزام العميق بخدمة الصالح العام. ترعرعت بمدينة وجدة، حيث تابعت دراستها إلى غاية نيل شهادة الباكالوريا، قبل أن تنتقل إلى الرباط لمتابعة تكوينها الجامعي بكلية الحقوق، لتحصل على الإجازة في العلوم القانونية، ثم دبلوم المدرسة الوطنية للإدارة، شعبة المالية والاقتصاد، وهو ما مهّد لمسار مهني وازن داخل الإدارة العمومية.
بعد تخرجها، التحقت بقسم التأمينات بوزارة المالية، حيث أبانت منذ البداية عن كفاءة عالية ونَفَس إصلاحي هادئ. ولم تكتفِ بالمسار الإداري، بل واصلت تحصيلها العلمي بمعهد التأمينات بمدينة ليون (جامعة جان مولان – فرنسا)، حيث نالت دكتوراه الدولة في القانون الخاص. وقد شكّل موضوع أطروحتها حول قانون التأمينات بالمغرب إضافة نوعية للمكتبة القانونية، إذ صدر سنة 1982 ضمن منشورات لابورت، وأضحى مرجعًا أساسيًا في مجاله.
مسؤولية إدارية وإشعاع أكاديمي
أمضت الراحلة معظم حياتها المهنية داخل مديرية التأمينات، التي تولت إدارتها سنة 1994، وأسهمت من موقعها في تحديث القطاع وترسيخ مبادئ الحكامة القانونية. وبموازاة ذلك، مارست التدريس بعدة مؤسسات ومعاهد عليا، خاصة بكلية الحقوق بالدار البيضاء، حيث ساهمت في تكوين أجيال من الأطر القانونية والإدارية، واضعة خبرتها رهن إشارة الطلبة والباحثين.
وفي غشت 1997، تم تعيينها كاتبة للدولة لدى وزير الشؤون الاجتماعية، مكلفة بالتعاون الوطني، إلى غاية مارس 1998، لتكون واحدة من أربع نساء فقط في الحكومة آنذاك، في مرحلة اتسمت بتحديات اجتماعية واقتصادية كبرى.
أول امرأة مستشارة للملك
في 29 مارس 2000، حظيت زليخة نصري بثقة صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، فعُينت مستشارة له، لتدخل التاريخ كأول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع في تاريخ المغرب. وقد اضطلعت من موقعها بدور محوري في مواكبة عدد من الأوراش الاجتماعية الكبرى، بفضل خبرتها الإدارية واطلاعها العميق على القضايا القانونية والمؤسساتية.
التضامن والتنمية البشرية… التزام إنساني راسخ
ارتبط اسم الراحلة ارتباطًا وثيقًا بالعمل الاجتماعي والتضامني، حيث كانت عضوًا فاعلًا داخل مؤسسة محمد الخامس للتضامن منذ تأسيسها سنة 1999، وأسهمت في تتبع وتنفيذ برامجها الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة. كما عُينت سنة 2002 على رأس مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، فعملت على ترسيخ مقاربة إنسانية قوامها إعادة الاعتبار للفرد وتمكينه من الاندماج السليم داخل المجتمع.
وساهمت زليخة نصري بشكل فعّال في تنفيذ وتتبع مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حيث آمنت بأن التنمية الحقيقية تنطلق من الاستثمار في الإنسان، وتقوم على العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية، مع الحرص على النجاعة والاستدامة.
مدافعة رصينة عن حقوق المرأة
كان للراحلة حضور وازن في النقاش العمومي المتعلق بقضايا المرأة والأسرة، حيث دافعت عن مقاربة قانونية واجتماعية متوازنة تضمن كرامة المرأة وتحافظ على تماسك الأسرة. وأسهمت في بلورة تصورات إصلاحية همّت قوانين الزواج والطلاق والحضانة والولاية، بروح مسؤولة تجمع بين المرجعية القانونية ومتطلبات الواقع الاجتماعي، وتميّزت مواقفها بالوضوح والاتزان والدفاع الهادئ عن حقوق النساء.
رحيل جسدي وأثر باقٍ
في صباح الأربعاء 16 دجنبر 2015، توفيت زليخة نصري بمدينة الرباط، بالمستشفى العسكري، إثر إصابتها بجلطة دماغية، عن سن ناهز السبعين عامًا. غير أن رحيلها الجسدي لم يُنهِ أثرها الرمزي والمؤسساتي، إذ ستظل سيرتها نموذجًا لامرأة من جهة الشرق، شقّت طريقها بالكفاءة والنزاهة، وأسهمت في خدمة المغرب من أعلى مواقع المسؤولية.
إن استحضار ذكرى زليخة نصري، بعد عشر سنوات على وفاتها، هو استحضار لقيمة المرأة المغربية حين تُمنح الثقة، ولدرس عميق مفاده أن بناء الأوطان لا يقوم إلا بسواعد الرجال والنساء معًا، في تكامل ومسؤولية.



