وجهات نظر

يونس المنصوري يكتب: حين تشتغل الجريدة بلا بوصلة

 

لم يعد النقاش حول الاعلام نقاشًا عابرًا مرتبطًا بخبر أو واقعة معزولة، بل تحوّل إلى سؤال بنيوي يطال المسار، والاختيارات، والدور الذي قررت بعض المنصات أن تلعبه داخل المشهد الإعلامي المغربي. سؤال لا يُطرح بدافع الخصومة، بل بدافع القلق المهني على معنى الصحافة نفسها.

فبين بدايات رُفعت فيها شعارات القرب من الناس، وكشف المسكوت عنه، ومرافقة نبض الشارع، وبين واقع تحكمه الإثارة، والتضخيم، والاشتغال على الحافة، يبدو أن البوصلة اختلّت، وأن الاتجاه لم يعد واضحًا:

هل نحن أمام مؤسسة صحفية تؤدي وظيفة إخبارية؟

أم أمام منصة تبحث عن التأثير بأي ثمن؟

في العمل الصحفي، ليست كثافة النشر معيارًا للمهنية، ولا سرعة الوصول إلى “الترند” دليلًا على الجدية. المعيار الحقيقي هو الاختيار: ماذا ننشر؟ كيف ننشره؟ ولماذا؟

حين يُغيب هذا السؤال، تتحول الصحافة من رسالة إلى صناعة، ومن رقابة إلى فرجة.

جزء كبير من الانتقادات التي تلاحق بعض المواقع اليوم لا يأتي من خصوم سياسيين أو منافسين إعلاميين، بل من داخل المجتمع نفسه. من مواطنين بدأوا يشعرون بأن المأساة تُستعمل مادة، وأن الألم الإنساني يُختزل في عنوان صادم، وأن التشهير يُسوَّق باعتباره سبقًا صحفيًا.

هنا تحديدًا يبرز سؤال البوصلة:

حين تتحول المآسي الفردية إلى محتوى ربحي،

وحين يُستبدل التحقيق بالتلميح،

وحين يُقدَّم الانطباع على المعطى،

نكون قد انتقلنا من الصحافة إلى صناعة الفرجة.

لا أحد ينكر حق الإعلام في النقد، ولا دوره في مساءلة السلطة. لكن الإشكال يبدأ حين تُمارَس المساءلة في اتجاه واحد، وحين يصبح بعض السياسيين أو الفاعلين أهدافًا دائمة، لا لخطورة ما يفعلون، بل لقابلية قصصهم للتسويق. هنا يفقد النقد معناه، ويتحوّل إلى أداة تأثير بلا ضوابط.

كثيرًا ما يُستدعى اسم Canal+ أو Le Figaro لتبرير ممارسات مثيرة للجدل، وكأن التشابه في الجرأة يختزل الفوارق العميقة بين التجارب. غير أن المقارنة المهنية تكشف اختلافًا جذريًا في الخط التحريري، وفي الفلسفة الإعلامية، وفي العلاقة مع الحقيقة والجمهور.

في تلك التجارب، لا تُقاس الجرأة بحدة العناوين، بل بوضوح الموقع التحريري. القارئ يعرف مسبقًا أين يقف المنبر:

محافظ

ساخر

ليبرالي…

الاختلاف معلن، ومؤطر بقواعد مهنية وقانونية، ومسؤولية واضحة.

في Le Figaro، قد يكون الموقف السياسي منحازًا، لكنه يُقدَّم داخل نص مؤسس بالحجج والمعطيات والتوقيع المسؤول. وفي Canal+، حتى السخرية السياسية تُمارَس داخل إطار نقدي واضح، لا على حساب كرامة الأفراد ولا عبر استثمار مآسيهم.

الفارق الجوهري أن هذه المنابر، مهما بلغ سقف نقدها، لا تبني تأثيرها على تحويل الألم الإنساني إلى مادة استهلاكية، ولا تجعل التشهير بديلًا عن التحقيق. هناك فصل نسبي بين الخبر والفرجة، وبين النقد والتسويق.

في المقابل، يعاني جزء من الإعلام الرقمي المغربي من اختزال الصحافة في “المشاهدة”، ومن تحويل التفاعل الرقمي إلى معيار وحيد للنجاح. فيصبح السؤال: ماذا يُشاهَد أكثر؟ بدل: ماذا يُفيد أكثر؟

الخط التحريري ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تحدد إن كان الإعلام سلطة تنوير، أم مجرد آلة تأثير بلا اتجاه.

إعلام بلا بوصلة قد يربح المشاهدة، لكنه يخسر الثقة.

وإعلام يعرف موقعه، يكسب احترام خصومه قبل جمهوره.

هذا النقد ليس عداءً للصحافة، بل دفاعًا عنها.

لأن:

لا إعلام بلا أخلاق

ولا تأثير بلا مسؤولية

ولا صحافة حقيقية بدون بوصلة

وفي زمن يحتاج فيه المغرب إلى إعلام يرفع مستوى النقاش العمومي، لا إلى منصات تزيد منسوب التوتر، يصبح السؤال عن البوصلة المهنية واجبًا، لا ترفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى