سياسة

من يبقى ومن يرحل؟ وجدة تدخل مرحلة الفرز الصامت داخل الأحزاب قبل الاستحقاقات المقبلة

ابراهيم ادريسي

 

بعيدًا عن الأضواء، وبموازاة مع الحركية السياسية المتصاعدة التي تعرفها المدينة، دخلت وجدة مرحلة أخرى لا تقل أهمية ولا تأثيرًا: مرحلة الفرز والتقييم. مرحلة هادئة في ظاهرها، لكنها حاسمة في نتائجها، حيث شرعت الأحزاب السياسية في غربلة أدائها المحلي، وإعادة النظر في خريطة ممثليها داخل المجالس المنتخبة، خصوصًا على مستوى الجماعات الترابية.

من منطق المواقع إلى منطق الحصيلة

لم يعد كافيًا، داخل عدد من التنظيمات، أن يحمل المنتخب صفة الانتماء الحزبي أو أن يكون قد نجح في اقتناص مقعد خلال الاستحقاقات السابقة. النقاش اليوم انتقل من منطق “من رُشّح؟” إلى منطق “ماذا قدّم؟”.

مصادر متطابقة تشير إلى أن معايير جديدة بدأت تُطرح بقوة داخل دوائر القرار الحزبي، في مقدمتها:

مدى القرب من المواطنين، انتظام التواصل مع الساكنة، الحضور في قضايا الأحياء، والقدرة على الترافع الميداني بدل الاكتفاء بالوجود الشكلي داخل الدورات الرسمية.

المنتخب القريب من المواطن… رأسمال سياسي جديد

في هذا السياق، برز اتجاه واضح نحو تثمين المنتخبين الذين حافظوا على خيط التواصل مع المواطنين، واشتغلوا في الميدان، وتدخلوا في ملفات محلية ملموسة، سواء تعلّق الأمر بالخدمات، أو البنية التحتية، أو قضايا اجتماعية يومية.

هؤلاء، وفق متتبعين، باتوا يُنظر إليهم كـرأسمال سياسي قابل للاستثمار في المرحلة المقبلة، بل إن بعض الأحزاب بدأت تفكر في الدفع بأسمائهم نحو مواقع أكثر أهمية، سواء داخل الجماعات أو في محطات انتخابية أعلى، باعتبارهم واجهات قادرة على استعادة جزء من الثقة المفقودة بين المواطن والسياسة.

العدّ التنازلي للغياب والكسل السياسي

في المقابل، دخل منتخبون آخرون منطقة حرجة.

منتخبون اكتفوا بالحضور الموسمي، أو ارتبط اسمهم بالصور والبلاغات أكثر من ارتباطه بقضايا الساكنة. هؤلاء أصبحوا موضوع نقاش داخلي متزايد، في ظل توجّه واضح نحو إبعاد من لم يراكم حصيلة ميدانية حقيقية، أو من انقطع عمليًا عن نبض الأحياء منذ نهاية الحملات السابقة.

وتؤكد مؤشرات متعددة أن عدداً من التنظيمات لم تعد مستعدة للدفاع عن أسماء لم تضف شيئًا لرصيدها المحلي، مهما كان وزنها السابق أو قربها من هياكل القرار.

الجماعات الترابية في قلب التقييم

وتحتل الجماعات الترابية موقع القلب في هذه العملية، باعتبارها الفضاء الأكثر احتكاكًا بالمواطن، والأكثر قدرة على كشف الفارق بين المنتخب الفاعل والمنتخب العابر.

فهناك تُقاس القدرة على الإنصات، وعلى اقتراح الحلول، وعلى الترافع، وعلى بناء الثقة اليومية، بعيدًا عن الخطابات الكبرى. ولذلك، فإن جزءًا كبيرًا من معركة الاستحقاقات المقبلة يُحسم اليوم داخل هذه الجماعات، عبر ما يُشبه “مخزون الأداء” الذي راكمه كل منتخب طيلة ولايته.

فرز اليوم… ونتائج الغد

ما يجري اليوم في وجدة هو، في العمق، إعداد غير معلن للائحة “الاحتفاظ” ولائحة “التخلّي”.

فرز هادئ في شكله، لكنه سيكون صاخبًا في نتائجه، لأنه سيحدد من سيُمنح فرصة الاستمرار، ومن سيُطلب منه إخلاء الواجهة.

وبين هذا وذاك، تتجه المدينة نحو مرحلة سياسية مختلفة، قد يكون عنوانها الأبرز: نهاية زمن الحضور الشكلي، وبداية زمن الامتحان الميداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى