تحقيقات

من تأمين الطاقة إلى اقتصاد المستقبل.. كيف أعادت ليلى بنعلي رسم خريطة القطاعات الاستراتيجية بالمغرب؟

أيت الحنا : حدث بريس

 

لم تعد وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة تقتصر على تدبير ملفات الكهرباء والمحروقات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ورش استراتيجي يقود تحولات كبرى تمس الاقتصاد الوطني، من الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر إلى المعادن والاقتصاد الدائري، في إطار رؤية تستهدف تعزيز السيادة الطاقية وترسيخ مكانة المغرب كفاعل إقليمي في مجال التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، واصلت الوزارة تسريع مشاريع إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، خاصة الطاقة الشمسية والريحية، باعتبارها ركيزة أساسية لتقليص التبعية الطاقية، واستقطاب الاستثمارات، وتحويل المغرب إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة نحو الأسواق الأوروبية.
وعلى مستوى تعميم الولوج إلى الكهرباء، حقق برنامج الكهربة القروية نتائج متقدمة، بعدما تجاوزت نسبة الكهربة 99.8 في المائة، مستفيداً منها أكثر من 41 ألف دوار وما يفوق مليوني مسكن، باستثمارات ناهزت 25 مليار درهم. كما أطلقت الوزارة برنامج PERG 2.0 لتزويد المناطق النائية بالكهرباء عبر حلول مبتكرة تعتمد على الطاقات المتجددة، والشبكات الكهربائية المصغرة، وأنظمة تخزين الطاقة، بهدف بلوغ كهربة شاملة بنسبة 100 في المائة.
ولم تتوقف الإصلاحات عند قطاع الطاقة، بل امتدت إلى القطاع المنجمي، حيث شهدت سنة 2026 إعادة منح نحو 1200 رخصة للاستغلال المنجمي في عدد من الجهات، إلى جانب فتح حوالي 2.7 مليون هكتار بمنطقة تافيلالت–فكيك أمام المستثمرين، في خطوة تروم إنعاش النشاط الاقتصادي وتعزيز استغلال الثروات المعدنية.
كما تعمل الوزارة على إعداد إطار قانوني جديد للقطاع المنجمي، يقوم على رقمنة السجل المعدني، وإحداث بطاقة مهنية للعاملين بالمناجم، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، بما يرفع من تنافسية القطاع ويشجع الاستثمار.
وفي المجال البيئي، انطلقت مرحلة جديدة لإصلاح منظومة تدبير النفايات، بعد تقييم البرنامج الوطني الأول الذي أظهر بلوغ نسبة جمع النفايات بالمراكز الحضرية 96 في المائة، مقابل استمرار تحديات مرتبطة بطرق الطمر التقليدية. ولهذا أعدت الوزارة مشروع القانون 48.23 الذي يرسخ مبادئ الاقتصاد الدائري، ويشجع على الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، وتثمين النفايات لإنتاج الطاقة، بالتوازي مع إطلاق برنامج لإغلاق المطارح العشوائية وإحداث مطارح مراقبة تستجيب للمعايير البيئية.
وتبرز هذه المؤشرات أن الوزارة اختارت مقاربة شاملة لا تقتصر على مواجهة التحديات الآنية، بل تراهن على بناء منظومة متكاملة تؤسس لأمن طاقي مستدام، وتدعم التنمية الاقتصادية، وترفع من جاذبية المغرب للاستثمارات الكبرى.
غير أن نجاح هذه الأوراش سيظل رهيناً بسرعة تنفيذ المشاريع، وحجم الاستثمارات التي ستتحول إلى إنجازات ملموسة، ومدى مساهمتها في تقليص التبعية الطاقية، وخلق فرص الشغل، وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
وبذلك، يؤكد مسار الإصلاح أن مستقبل قطاع الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بتأمين الوقود والكهرباء، بل أصبح عنواناً لتحول اقتصادي وبيئي شامل، يسعى من خلاله المغرب إلى تثبيت موقعه ضمن الدول الرائدة في الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى