وجهات نظر

زهير أصدور يكتب : حين يتحول الاختلاف السياسي إلى حملة تشهير… دفاع عن قواعد النقاش العمومي في قضية محمد أوزين.

 

 

ما يتعرض له الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، من حملات تشهير وتجريح ممنهجة، يكشف مرة أخرى عن انزلاق مقلق في الممارسة السياسية والإعلامية داخل الفضاء العمومي المغربي، حيث يتم الخلط المتعمد بين النقد السياسي المشروع، وبين الاستهداف الشخصي، والتأويل السيئ النية، والتشويه الرمزي للأفراد.

 

من منظور سوسيولوجي، لا يمكن فهم هذه الحملات خارج سياق أزمة النقاش العمومي، حيث صار من الأسهل شيطنة الأشخاص بدل مساءلة الأفكار، ومهاجمة النوايا بدل تفكيك المواقف. يتم اختزال الفاعل السياسي في لقطة، أو تصريح مجتزأ، أو تأويل مغرض، وتُبنى حوله سرديات إدانة جاهزة، تُغذّيها الشعبوية الرقمية ومنطق الإثارة، لا الرغبة في الفهم أو المحاسبة العقلانية.

 

إن ما يجري ليس مساءلة سياسية بالمعنى النبيل للكلمة، بل هو شكل من أشكال العنف الرمزي، الذي يسعى إلى نزع الشرعية المعنوية عن الفاعل السياسي عبر التشهير، والتلميح، واللعب على الإيحاءات، بدل مناقشة موقعه، اختياراته، أو أطروحاته داخل الحقل السياسي. وهنا لا تعود القضية مرتبطة بمحمد أوزين كشخص، بقدر ما ترتبط بمحاولة تأديب كل صوت سياسي يخرج عن الإجماع المصطنع، أو يزعج توازنات قائمة.

 

أما من الزاوية الحقوقية، فإن هذه الحملات تمسّ بشكل مباشر بحقوق أساسية، في مقدمتها الحق في السمعة، والكرامة، والمحاكمة العادلة في الفضاء العمومي. فالاختلاف السياسي لا يُبيح التشهير، والنقد لا يبرر المساس بالأشخاص، ولا تحويل النقاش إلى محاكم أخلاقية مفتوحة تُدار بمنطق “الترند” لا بمنطق القانون أو الأخلاق.

 

الأخطر من ذلك، أن بعض المنابر أو الأصوات التي تنخرط في هذا النوع من الحملات، تقدم نفسها كحارسة للأخلاق العامة أو للديمقراطية، بينما تمارس في الواقع نقيض ذلك تمامًا، عبر تسليع الفضيحة، واستثمار التشهير، وتحويل السياسة إلى فرجة، والمساءلة إلى تصفية حسابات.

 

محمد أوزين، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، هو فاعل سياسي يتحمل مسؤولية حزبية واضحة، ومساره يجب أن يُناقش على أساس مواقفه، وأدائه، وخياراته السياسية، لا عبر النيل من شخصه، أو التشكيك في نواياه، أو تحميل تصريح أو سلوك معزول ما لا يحتمل. فالديمقراطية لا تُبنى بتكسير الأشخاص، بل بتقوية النقاش، وتعدد الرؤى، واحترام قواعد الاختلاف.

 

إن الدفاع عن محمد أوزين في هذا السياق، ليس دفاعًا عن حزب أو شخص، بل دفاع عن الحد الأدنى من أخلاقيات العمل السياسي والإعلامي، وعن حق الفاعلين السياسيين في نقد مسؤول، لا في تشهير مجاني. وهو كذلك دفاع عن فكرة أساسية: أن السياسة مجال صراع أفكار وبرامج، لا حلبة اغتيال رمزي.

 

ما نحتاجه اليوم، في ظل هذا المناخ المتوتر، ليس مزيدًا من الشعبوية، ولا حملات الإدانة السريعة، بل نقاشًا عموميًا راشدًا، يُعيد الاعتبار للسياسة كفضاء للاختلاف المشروع، ويضع حدًا لانزلاق الإعلام وبعض المنصات إلى أدوار لا تمت لا للمهنية ولا للديمقراطية بصلة.

 

فحين يصبح التشهير بديلاً عن النقاش، نكون جميعًا خاسرين. وحين يُستباح الفاعل السياسي اليوم، بدعوى الاختلاف، فغدًا سيُستباح كل من يجرؤ على التعبير أو التموقع خارج السرب.

 

*رئيس مؤسسة عيون لحقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى