وجهات نظر

زهير أصدور يكتب : أوزين والخطاب الحركي الجديد: من مواجهة الحكومة إلى إعادة بناء الحزب. 

تتحرك الحركة الشعبية، بقيادة محمد أوزين، في لحظة سياسية دقيقة يحكمها احتقان اجتماعي متصاعد، وشعور عام بتراجع الثقة في الوساطة الحزبية، وتقلّص المساحات التي كانت تاريخياً تمثل مجال نفوذ للحزب. هذه الظروف تجعل من الضروري إعادة تشغيل كل محركات الحزب التنظيمية والفكرية، والسعي إلى استعادة مكانته داخل المشهد السياسي الوطني عبر خطاب هجومي واضح، يهدف إلى استعادة ما يسميه القادة بـ«الروح المؤسسة» للحركة، تلك الروح التي شكلت على مدى عقود هويتها السياسية ومكانتها في المجتمع المغربي.

الملامح الجديدة للموقف الحركي ظهرت جلية خلال المجلس الوطني الأخير، حيث بدا واضحاً أن الحزب لم يعد يرضى بالبقاء على هامش اللعبة السياسية، بل يطمح إلى الانتقال من موقع «المتفرج» إلى موقع «الفاعل» داخل المشهد الوطني. هذه الاستراتيجية الجديدة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: استنهاض القاعدة الترابية التقليدية للحزب، تعزيز الشرعية السياسية من خلال الاصطفاف مع التوجيهات الملكية التي تشكّل إطاراً استراتيجياً للتوازنات الوطنية، وتوجيه نقد صريح وواضح لأداء الأغلبية الحكومية التي يعتبرها الحزب مسؤولة عن مجموعة من الاختلالات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الخطاب الحالي للحركة الشعبية لا ينطلق من رغبة في معارضة صدامية بقدر ما ينطلق من إرادة بناء «بديل محتمل»، يستجيب لفراغ الوساطة الحزبية الذي تركته الانقسامات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية. الحزب يدرك أن المناخ الانتخابي المقبل سيكون حادّاً ومفتوحاً على احتمالات متباينة، ولذلك يسعى إلى رفع سقف حضوره السياسي مبكراً، والعمل على استعادة امتداداته التقليدية داخل العالم القروي والمناطق التي كان لها حضور تاريخي، وهو ما يفسّر التركيز على قضايا العدالة المجالية، فكّ العزلة، إعادة توزيع الموارد، وإصلاح المنظومة الانتخابية بما يعكس التوازنات الترابية الفعلية.

ومن العلامات اللافتة في هذا السياق، دعوة الحزب من الحسيمة إلى عفو ملكي، وهي خطوة تحمل رمزية قوية، إذ تُعيد الاعتبار للريف وتستحضر العلاقة التاريخية بين الدولة والمناطق المهمشة. بهذا المعنى، يعمل الحزب على إعادة بناء صورته كـ«المحامي السياسي عن قضايا الجهات»، واستعادة الروابط العاطفية والتاريخية مع جمهور اعتبر الحركة الشعبية جزءاً من هويته السياسية لسنوات طويلة.

ولا ينفصل هذا السعي عن التحولات الداخلية العميقة التي يعرفها الحزب، سواء من خلال إعادة هيكلة تنظيماته، أو إدماج نخب جديدة، أو مراجعة الخطاب ليكون أكثر قدرة على مخاطبة الفئات الحضرية والشبابية التي لم تكن تقليدياً ضمن قاعدة الحزب الانتخابية. فالرهان لم يعد محصوراً في الحفاظ على مواقع تاريخية، بل يمتد ليشمل بناء عرض سياسي جديد قادر على مواكبة التحولات السريعة في المجتمع المغربي وتلبية أولويات المواطنين المتغيرة.

في الوقت ذاته، يظهر البعد التكتيكي لهذه الدينامية السياسية، إذ يرفع الحزب من سقف انتقاداته للحكومة بطريقة مدروسة، تتجنب الوقوع في فخ المعارضة الشعبوية، وتتيح له تقديم نفسه كـ«ضمير سياسي» يوازن بين احترام المؤسسات والدفاع عن الفئات المتضررة. بهذا الخطاب، يسعى الحزب إلى أن يظهر كقوة وطنية مسؤولة، لا تتنصل من التوجيهات الاستراتيجية للدولة، وفي الوقت نفسه لا تتردد في كشف أعطاب الأداء الحكومي والاختلالات التي تؤثر على استقرار وتماسك المجتمع.

الحركة الشعبية اليوم ليست في موقف رمزي أو شكلي، بل تبحث عن نافذة سياسية حقيقية تعيد لها وزنها داخل التوازنات الحزبية الوطنية. السؤال الجوهرِي يظل مرتبطاً بمدى قدرة الحزب على تحويل هذه الدينامية التنظيمية والرمزية إلى نتائج انتخابية ملموسة في استحقاقات 2026 وما بعدها. إذا نجح الحزب في استثمار هذا الزخم، فقد يصبح فعلاً «البديل الممكن» في لحظة سياسية تبحث عن وجوه جديدة وأدوار جديدة، أما إذا فشل في ترجمة خطابه إلى نفوذ انتخابي، فسيظل رهانُه مجرد اندفاعة ظرفية غير قادرة على تغيير موازين القوى.

بغض النظر عن النتائج، يبدو واضحاً أن الحركة الشعبية اختارت ألا تبقى في موقع الانتظار، وأدركت أكثر من أي وقت مضى أن النافذة السياسية لا تُفتح لمن يكتفي بالمراقبة، بل لأولئك الذين يملكون جرأة المبادرة، وهذه الجرأة هي ما يسعى الحزب إلى استعادته اليوم عبر كل أدواته التنظيمية والفكرية والسياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى