سياسة

خطاب العرش 2026.. رؤية استراتيجية ترسخ مكانة المغرب في النظام الدولي

د. زكرياء لعروسي
باحث في العلاقات الدولية

أكد الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، أن المغرب يدبر مرحلة تاريخية تتقاطع فيها رهانات التنمية الوطنية مع التحولات الكبرى التي يعرفها النظام الدولي، لذلك، فالخطاب يقدم رؤية متماسكة تجعل بناء القوة الوطنية أساساً لترسيخ المكانة الدولية للمملكة، في سياق عالمي تتسارع فيه المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وتتشكل فيه موازين قوى جديدة على أسس الإنتاج والابتكار والسيادة الاستراتيجية.
تستند الدبلوماسية المغربية في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى مرتكزات استراتيجية تشكل اليوم أحد أبرز عناصر تميز السياسة الخارجية للمملكة. وفي مقدمة هذه المرتكزات، مركزية القرار الوطني المستقل، القائم على تقدير المصالح العليا للدولة، واستيعاب التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. وقد أفرز هذا التوجه دبلوماسية تتسم بالاتزان، والقدرة على بناء جسور الثقة مع مختلف الفاعلين الدوليين، والانفتاح على فضاءات جيوسياسية متعددة، في إطار رؤية تجعل من الشراكة أداة لتحقيق المصالح المتبادلة، ومن الحوار وسيلة لتدبير الاختلاف، ومن الاحترام المتبادل قاعدة للعلاقات الدولية. ولذلك استطاع المغرب أن يعزز حضوره داخل محيطه الإفريقي، وأن يرسخ شراكاته مع القوى الدولية، وأن يوسع مجالات تعاونه مع الفضاء الأطلسي والمتوسطي والخليجي، وفق رؤية استراتيجية تمنح المملكة هامشاً واسعاً للمبادرة، وتؤهلها للاضطلاع بأدوار متقدمة في القضايا الإقليمية والدولية.
تعكس الإحالة في الخطاب الملكي إلى عودة السياسات الحمائية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد والإنتاج، إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة التي يعيشها العالم، إذ إن هذه التحولات أعادت صياغة أولويات الدول، وجعلت امتلاك القدرات الصناعية والتكنولوجية شرطاً لتعزيز الحضور الدولي. وبالتالي يندرج تركيز خطاب جلالة الملك على تطوير الصناعات المتقدمة، والهيدروجين الأخضر، والبطاريات الكهربائية، وصناعة الطيران، ضمن رؤية تستحضر الاقتصاد باعتباره أحد أهم أدوات القوة في العلاقات الدولية.
ويبرز في الخطاب الملكي مفهوم متطور للسيادة الوطنية، يقوم على ترسيخ الأمن الغذائي، والأمن الطاقي، والسيادة الصناعية، وتعزيز القدرات في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، ليعكس هذا التوجه انسجام المغرب مع التحولات التي يشهدها النظر الاستراتيجي المعاصر، حيث أصبحت قدرة الدولة على تأمين حاجياتها الحيوية، والتحكم في التكنولوجيا، وتطوير صناعاتها الاستراتيجية، من أهم مؤشرات المكانة الدولية.
إن هذا الخطاب الملكي، بحمولته الاستشرافية ورؤيته المتبصرة، ينم عن نضج المقاربة الدبلوماسية المغربية، من خلال التأكيد على أن المملكة أصبحت “فاعلاً اقتصادياً مهماً، وشريكاً مطلوباً، في إطار شراكات جديدة ومتوازنة، متوجهة نحو المستقبل”، في رؤية تعبر عن دبلوماسية ترتكز على تنويع الشراكات، وتوسيع مجالات التعاون، وتعزيز الحضور المغربي داخل الفضاءات الاقتصادية والإقليمية والدولية، بما ينسجم مع طبيعة النظام الدولي المتعدد المراكز.
ومن المهم أيضا الانتباه إلى الرسالة الواضحة إلى الشركاء الدوليين مفادها أن الاستقرار المؤسسي يشكل رصيداً استراتيجياً للمغرب؛ فاستقرار الدولة، وفعالية مؤسساتها، وقدرتها على تدبير الأزمات، عناصر تعزز ثقة المستثمرين والأسواق والمؤسسات الدولية، وتدعم مكانة المملكة باعتبارها منصة إقليمية للإنتاج والاستثمار، وجسراً يربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي.
ربط الخطاب الملكي بين التراكم التنموي واستمرارية الرؤية الاستراتيجية للدولة، ليؤكد بوضوح على أن المشاريع الكبرى تُقدَّم باعتبارها مساراً ممتداً يستند إلى وضوح الاختيارات وثبات التوجهات، وهو ما يمنح السياسة الخارجية المغربية قوة إضافية، قوامها المصداقية والاستقرار والقدرة على الوفاء بالالتزامات الدولية.
وتفضي هذه الرؤية إلى تكريس الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية المغربية،من خلال الإشارة إلى الاستثمارات، والتصنيع، والابتكار، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، تشكل جميعها أدوات لتعزيز النفوذ، وتوسيع مجالات الشراكة، وترسيخ حضور المغرب داخل الاقتصاد العالمي، بما ينعكس إيجاباً على مكانته السياسية والاستراتيجية.
يؤسس خطاب العرش، لمرحلة تتعزز فيها مكانة المغرب من خلال تلازم التنمية والسيادة والانفتاح، وهي المعادلة التي تمنح المملكة قدرة أكبر على التفاعل مع التحولات الدولية، وتدعم حضورها كفاعل إقليمي ودولي يحظى بالثقة، ويستند إلى رؤية استراتيجية تجعل من الإنجاز الوطني رافعة للحضور الدولي، ومن الاستقرار رصيداً للقوة، ومن التنمية المستدامة أساساً لترسيخ المكانة بين الأمم.
ويقوم التصور الدبلوماسي لجلالة الملك، على فلسفة تجعل من المصداقية والاستمرارية رصيداً استراتيجياً للدولة. فالمملكة راكمت، عبر سنوات من العمل المتواصل، صورة دولة تحترم التزاماتها، وتؤسس مواقفها على وضوح الرؤية، وتربط مبادراتها الخارجية بمشروع تنموي وطني متكامل. ومن هذا المنطلق، تحولت الدبلوماسية المغربية إلى امتداد طبيعي لمسار التنمية الداخلية، وأصبح الإنجاز الاقتصادي، والتقدم الصناعي، والاستقرار المؤسسي، عناصر فاعلة في تعزيز الحضور الدولي للمغرب. ويكشف خطاب العرش عن هذا الترابط الوثيق بين الداخل والخارج، من خلال التركيز على بناء القوة الوطنية مدخلاً لتوسيع النفوذ الدبلوماسي، بآلية التنمية التي شكلت لغة تخاطب بها المملكة شركاءها، وتؤكد من خلالها مكانتها كفاعل موثوق، يمتلك رؤية بعيدة المدى، وقدرة على الإسهام في صناعة الاستقرار، وإنتاج مبادرات التعاون، وترسيخ أسس نظام دولي أكثر توازناً وتضامناً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى