وجهات نظر

خديجة الكور تكتب ….لنفتح الأفق أمام شباب المغرب

لم تعد قضية الشباب في المغرب ملفًا اجتماعيًا يمكن تأجيله إلى حين تحسن الظرفية الاقتصادية، بل أصبحت سؤالًا مركزيًا يتعلق بمستقبل النموذج التنموي نفسه: كيف يمكن لبلد يعرف تحولًا اقتصاديًا متسارعًا، ويستثمر في الصناعة والبنية التحتية واللوجستيك والطاقات المتجددة والخدمات، ويستعد لاستحقاقات كبرى في أفق 2030، أن يظل فيه جزء كبير من شبابه خارج العمل والتعليم والتكوين؟
هذه المفارقة تستحق أن تتصدر النقاش العمومي. فالمغرب لم يعد يعاني من غياب المشاريع أو ضعف الاستثمار؛ لقد طور صناعات السيارات والطيران والفوسفاط والطاقات المتجددة، وأصبح منصة لوجستيكية وصناعية تجذب الاستثمارات وتندمج في سلاسل القيمة العالمية. لكن التحدي هو أن تتحول هذه الدينامية إلى فرص شغل أكثر، وأن تصل ثمار النمو إلى الشباب ومختلف الجهات.
وتكشف الأرقام حجم التحدي: بلغ معدل البطالة الوطني سنة 2025 نحو 13 %، أي حوالي مليون و621 ألف عاطل، فيما وصلت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37,2 %. والأكثر دلالة أن نحو 2,9 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين، أي ما يقارب 33,6 % من هذه الفئة. وتشكل النساء حوالي 72 % منهم، فيما لا يتوفر 76 % على شهادة مؤهلة.
لكن هذه الأرقام لا تعني غياب الإمكانات. فقد سجل الاقتصاد الوطني سنة 2025 نموًا بلغ 4,9 %، وخلق نحو 193 ألف منصب شغل، منها 123 ألفًا في الخدمات، و64 ألفًا في البناء والأشغال العمومية، و46 ألفًا في الصناعة، مقابل فقدان 41 ألف منصب في الفلاحة والغابة والصيد. المغرب إذن ينمو ويستثمر ويصنع، لكن السؤال هو: أي نمو نريد؟ وهل نريد استثمارًا يرفع الناتج فقط، أم استثمارًا يخلق أيضًا وظائف منتجة ومستدامة؟
وهنا تبرز أهمية المقاولات الصغرى والمتوسطة. فالمقاولة التي لا تنمو لا تستطيع التوظيف والاستثمار والتصدير والابتكار بالقدر الكافي. لذلك فإن سياسة التشغيل تمر أيضًا عبر تسهيل حصولها على التمويل والعقار والصفقات والأسواق، وربطها بسلاسل القيمة التي تقودها المقاولات الكبرى.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، تجاهل القطاع غير المهيكل، الذي يوفر مصدر دخل وفرص عمل لعدد كبير من المغاربة، وخاصة الشباب والنساء. المطلوب ليس محاربته أو إقصاء العاملين فيه، بل تنظيمه وإدماجه تدريجيًا في الاقتصاد المهيكل، عبر تبسيط المساطر، وتيسير الولوج إلى التمويل والحماية الاجتماعية، وتحفيز الانتقال إلى النشاط القانوني. فإدماج هذا القطاع يمكن أن يحول جزءًا مهمًا من الاقتصاد غير المستغل إلى رافعة للنمو وخلق فرص شغل أكثر استقرارًا.
وتؤكد تقديرات البنك الدولي أن الإصلاحات المناسبة يمكن أن تمكن المغرب من خلق نحو 1,7 مليون منصب شغل إضافي في أفق 2035، ونحو 2,5 مليون في أفق 2050. المشكلة إذن ليست غياب الإمكانات، وإنما قدرتنا على تحويلها إلى فرص.
وينطبق الأمر نفسه على التعليم والتكوين. فقد بذلت الدولة جهودًا مهمة؛ إذ بلغ العرض البيداغوجي لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل برسم موسم 2024-2025 نحو 414.800 مقعد بيداغوجي موزعة على 486 مؤسسة، كما واكب برنامج «فرصة» 21.200 حامل مشروع، واستفاد من «أوراش» 221.486 شخصًا.
لكن نجاح هذه البرامج يجب ألا يقاس بعدد المستفيدين فقط، بل بما يحدث بعد انتهائها: كم شابًا حصل على وظيفة مستدامة؟ وكم مشروعًا استمر ونما؟ فـ«أوراش» يوفر تجربة مؤقتة، و«فرصة» يفتح باب المقاولاتية، لكنهما لا يمكن أن يعوضا اقتصادًا قادرًا على خلق وظائف دائمة ومقاولات قادرة على النمو.
ومن بين الرافعات الأساسية لامتصاص بطالة الشباب، إعادة النظر في مسارات التكوين المهني داخل المدرسة العمومية، ابتداءً من التعليم الإعدادي وصولًا إلى الثانوي التأهيلي. فقد نصت الإصلاحات التربوية على إرساء مسار للتعليم المهني ابتداءً من السلك الإعدادي، غير أن هذا المسار لا يزال محدود الجاذبية، إذ تشير وزارة التربية الوطنية إلى أن نسبة المستفيدين منه لا تتجاوز 5 % من تلاميذ الإعدادي والثانوي، مع الحاجة إلى مزيد من الملاءمة بين البرامج وحاجيات سوق الشغل.
لذلك، لا يكفي توسيع العرض الحالي؛ بل يجب إعادة هندسته على أساس استباق حاجيات الاقتصاد الوطني: الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، الرقمنة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، الصناعات الجديدة واللوجستيك، السياحة والفندقة والنقل والخدمات المرتبطة بأفق 2030. نريد أن ننتقل من سؤال «ماذا نُكوّن؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «لأي وظائف نُكوّن؟» وأن يصبح التكوين المهني مسارًا نوعيًا وجذابًا يقود إلى المهن التي ستصنع فرص الشغل في المستقبل.
وهذا يرتبط مباشرة بمونديال 2030. فهذه المناسبة ليست مجرد استحقاق رياضي، بل فرصة لتطوير قطاعات كاملة وخلق طلب جديد على الكفاءات في السياحة والفندقة والنقل والصيانة واللغات والرقمنة والأمن السيبراني والطاقة والماء وإدارة المنشآت الرياضية وغيرها. والرهان الحقيقي ليس خلق وظائف مؤقتة إلى حين انتهاء الحدث، وإنما بناء كفاءات ستظل منتجة بعد 2030.
كما أن أمام المغرب فرصًا واعدة في الطاقة الشمسية اللامركزية، والنسيج منخفض الكربون، وتثمين الأركان، وتربية الأحياء المائية وغيرها من القطاعات التي تجمع بين الاستثمار وخلق فرص العمل. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى إمكانية خلق أكثر من 166 ألف منصب شغل في عدد من هذه المجالات خلال خمس إلى عشر سنوات.
لكن هناك رسالة أخرى من الشباب لا ينبغي تجاهلها: الهجرة. فالشاب لا يقارن فقط بين مستوى الدخل، وإنما بين فرص العمل والترقي والاستقرار والحماية الاجتماعية والاعتراف بالكفاءة وإمكانية بناء حياة مستقرة. وحين لا يرى أفقًا واضحًا، يمكن أن تتحول الهجرة إلى مشروع حياة.
والمفارقة أن عددًا من الدول الأوروبية تبحث عن الكفاءات التي يكوّنها المغرب: كهربائيون، ميكانيكيون، لحامون، تقنيو صيانة، ومهنيو البناء والفندقة. وقد وظفت إسبانيا، عبر آلية GECCO، قرابة 21 ألف عامل مغربي سنة 2025 في إطار الهجرة الدائرية، فيما تبحث ألمانيا، عبر برامج من قبيل THAMM Plus، عن كفاءات مغربية في مجالات الميكاترونيك والكهرباء والمعادن والسيارات والبناء.
لذلك لا نحتاج إلى الاختيار بين حجز الشباب وتصديرهم، وإنما إلى تنظيم الحركية المهنية وإعطاء الشباب حق الاختيار. ينبغي أن تتوفر منصة وطنية شفافة تقدم لهم المعلومات حول فرص العمل والتكوين في الخارج، والمهن المطلوبة، والشروط والأجور والعقود، مع برامج للتأهيل اللغوي والمهني والاعتراف بالكفاءات وحماية الحقوق الاجتماعية وتشجيع عودة الكفاءات.
لا نريد أن نصدّر بطالتنا، ولا أن نحجز شبابنا. نريد أن نعطيهم الاختيار.
وهنا تبدأ مسؤولية الحكومة المقبلة. المطلوب هو بناء سياسة وطنية متكاملة للتشغيل، تبدأ من المدرسة والتكوين، وتمر عبر المقاولة والاستثمار وتنظيم القطاع غير المهيكل، وتنتهي بإدماج مهني مستدام.
نحتاج إلى ميثاق وطني للشغل الأول، يضمن لكل شاب مسارًا واضحًا: شغل، أو تكوين مؤهل، أو تدرج مهني مؤدى عنه، أو مواكبة مقاولاتية. ونحتاج إلى جعل خلق فرص العمل معيارًا أساسيًا في تقييم الاستثمارات الكبرى المدعومة عموميًا: كم منصبًا خلقت؟ كم منها للشباب والنساء؟ وكم منها في الجهات الأقل استفادة؟
كما ينبغي إحداث حساب شخصي للتكوين والمهارات لكل شاب، يسمح له بتطوير كفاءاته وفق حاجيات الاقتصاد، خصوصًا في الرقمنة والتكنولوجيات الجديدة والانتقال الطاقي والمهن التقنية والصناعية، وأن يُقاس نجاح المرفق العمومي للتشغيل بعدد الشباب الذين وجدوا فعلًا وظائف مستدامة، وليس بعدد الملفات التي تمت معالجتها.
وفي مقدمة الأولويات، يجب أن يحظى الشباب البالغ عددهم 2,9 مليون ممن هم خارج العمل والتعليم والتكوين بعناية خاصة، لأنهم ليسوا فئة واحدة: بينهم شابات خارج سوق الشغل، وشباب قروي، ومنقطعون عن الدراسة، وحاملو شهادات، وشباب بدون تأهيل، وعاطلون طويلو الأمد. ولذلك يجب أن تكون لهم مسارات مختلفة تستجيب لحاجيات كل فئة وكل جهة.
إن تشغيل الشباب ليس نفقة اجتماعية يمكن تأجيلها، بل استثمار اقتصادي في مستقبل المغرب. كل شاب يدخل سوق العمل هو قيمة مضافة جديدة، وكل شاب يؤسس مقاولة يمكن أن يخلق وظائف أخرى، وكل شابة تلج سوق الشغل تضيف إلى الاقتصاد الوطني، وكل كفاءة تكتسب تجربة دولية وتعود إلى المغرب تمثل رصيدًا جديدًا للتنمية.
المغرب اليوم يمتلك البنيات التحتية والاستثمارات والصناعة والموقع الجغرافي والكفاءات. وما نحتاج إليه هو أن نضع الشباب في قلب هذه الدينامية.
لقد بنينا الموانئ والطرق والمصانع والملاعب. والآن علينا أن نبني المسارات التي تقود شبابنا إلى المستقبل.
لنفتح الأفق أمام شباب المغرب.
فالشباب لا يحتاج إلى أسوار تحاصره، بل إلى فرص تحرره. ولا يحتاج إلى وعود مؤجلة، بل إلى مسارات واضحة. ولا يحتاج فقط إلى أن نطلب منه أن يبقى، بل إلى أن نعطيه ما يجعله يختار البقاء.
إن المغرب القادر على النجاح في الصناعة والاستثمار والبنية التحتية واحتضان كأس العالم 2030، قادر أيضًا على النجاح في الرهان الأكبر: أن يجعل من طاقة شبابه قوة لصناعة المستقبل.
والأفق موجود.
فلنفتحه معًا.

 

السيدة خديجة الكور
رئيسة منظمة النساء الحركيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى