إبراهيم إدريسي يقترح: تحويل ميناء الناظور إلى خزان طاقي سيادي وبوابة جيو-استراتيجية لإعادة تشكيل ممرات الطاقة العالمية

يشهد النظام الطاقي العالمي مرحلة إعادة تموضع عميقة، فرضتها في آن واحد تبعات الحرب الروسية على أوكرانيا وما أحدثته من اضطراب واسع في إمدادات أوروبا الطاقية بعد تقلص التدفقات الروسية وارتفاع كلفة وتأمين سلاسل التزويد، إضافة إلى هشاشة متزايدة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، بما يجعل أمن الإمدادات عرضة لتقلبات جيوسياسية متكررة.
هذا التداخل بين صدمة جيوسياسية كبرى وضغوط جغرافية بحرية بنيوية أعاد تعريف أولويات الفاعلين الدوليين، حيث باتت الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج تتجه بشكل متسارع نحو إعادة هندسة منظومة الطاقة عبر تطوير محطات لوجستية سيادية للتخزين وإعادة التوزيع خارج مناطق التوتر، بما يعزز مرونة الإمدادات ويقلص مخاطر الانقطاع، في سياق تحوّل عالمي لم يعد فيه التحكم في التدفقات أقل أهمية من التحكم في الإنتاج ذاته.
هنا تحديدًا، تبرز الفرصة الاستراتيجية للمغرب.
إن موقع المغرب الجغرافي، عند تقاطع المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط، يمنحه أفضلية نادرة ليكون منصة لوجستية عالمية قريبة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في أوروبا.
لكن الأهم من الموقع هو عنصر الاستقرار؛ فالمغرب يقدم نموذجًا نادرًا في منطقة مضطربة: أمن سياسي، استقرار مؤسساتي، واستمرارية في السياسات العمومية، وهي كلها عوامل حاسمة في قرارات الاستثمار الطاقي طويل الأمد.
وعليه، يصبح من الضروري أن يتحرك المغرب بشكل استباقي لتسويق مشروع ميناء الناظور ليس فقط كميناء، بل كـ خزان طاقي استراتيجي ومحطة لوجستية سيادية قادرة على تلبية حاجيات هذه الاسواق الكبرى و يساهم في ضمان الامن الطاقي العالمي.
فالميناء، عند اكتماله نهاية السنة الحالية، يمكن أن يوفر بنية تحتية متكاملة تشمل التخزين، المعالجة، وإعادة التوزيع، ما يجعله جزءًا من الحل العالمي لمشكلة أمن الإمدادات.
كما أن العلاقات الاستراتيجية التي تجمع المغرب بكل من الولايات المتحدة ودول الخليج تمثل رافعة قوية لهذا التوجه. فهذه الشراكات لا تقتصر على التعاون السياسي، بل تمتد إلى مجالات الاستثمار والدفاع والاقتصاد، ما يوفر أرضية صلبة لبناء مشاريع مشتركة ذات بعد استراتيجي طويل المدى.
وبالمثل، فإن حاجة أوروبا إلى شريك موثوق في الضفة الجنوبية للمتوسط تجعل من المغرب خيارًا منطقيًا ومفضلًا.
من الناحية الجيوسياسية، يتماشى هذا المقترح مع منطق “إزالة المخاطر” (De-risking)، الذي يدفع نحو تقليل الاعتماد على مسارات أحادية معرضة للاضطرابات، وبناء شبكة متعددة من مراكز التخزين والتوزيع.
ومن الناحية الاقتصادية، يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية ضخمة، ونقل للتكنولوجيا، وخلق منظومة صناعية مرتبطة بالطاقة.
في المحصلة، نحن أمام لحظة استراتيجية نادرة، حيث تتقاطع الحاجة الدولية مع الإمكانيات الوطنية.
وإذا ما أحسن المغرب توظيف هذا الظرف، عبر تسويق ميناء الناظور كحل لوجستي آمن وفعال، فإنه لن يكتفي بالاندماج في النظام الطاقي العالمي، بل سيصبح أحد مفاتيح إعادة تشكيله.
إنها فرصة للانتقال من موقع العبور إلى موقع التأثير، ومن دور المستهلك إلى دور المنظم للتدفقات… فرصة لبناء سيادة طاقية قائمة على الجغرافيا الذكية والاستقرار المستدام.