تمرد صامت داخل الأحزاب.. رؤساء جماعات وفاعلون نافذون يهددون بقلب موازين التشريعيات

ابراهيم ادريسي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح معركة سياسية صامتة تتشكل داخل عدد من الأحزاب، بعيداً عن الخطابات الرسمية وشعارات الانضباط التنظيمي. فداخل الكواليس، يتصاعد التوتر بين القيادات الحزبية المركزية والمنتخبين المحليين، خاصة رؤساء الجماعات الذين باتوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم القوة الانتخابية الحقيقية القادرة على صناعة الفارق في صناديق الاقتراع.
هذا التوتر لا يرتبط فقط بصراع التزكيات، بل يعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقة بين المركز الحزبي والامتداد الترابي. فعدد من رؤساء الجماعات ومنتخبين محليين يشعرون بأنهم تحولوا، مع مرور الوقت، إلى مجرد أدوات انتخابية موسمية، يتم استحضارها عند الحاجة إلى الأصوات، ثم تُترك خارج دوائر القرار والتأثير بمجرد انتهاء الاستحقاقات.
وتفيد معطيات سياسية متقاطعة بأن حالة من التذمر تتسع داخل بعض التنظيمات، بسبب ما يعتبره منتخبون محليون “غياباً لمنطق الاستحقاق”، مقابل صعود أسماء تسعى إلى نيل التزكيات البرلمانية اعتماداً على الولاءات والعلاقات داخل الأجهزة الحزبية، رغم افتقادها، في نظر خصومها، للحضور الميداني أو للرصيد السياسي الذي يؤهلها لتمثيل الدوائر الانتخابية.
ويبدو أن جزءاً من الأزمة يرتبط أيضاً بضعف التواصل السياسي داخل بعض الأحزاب، حيث يشتكي رؤساء جماعات ومنتخبون من غياب تواصل فعلي مع المسؤولين الجهويين أو القيادات الوطنية، الأمر الذي خلق شعوراً بالعزلة السياسية، وعمّق الفجوة بين القيادة والقواعد المحلية التي تتحمل العبء الأكبر في التعبئة الانتخابية.
كما يحمّل عدد من الفاعلين المحليين مسؤولية هذا الاحتقان لبعض البرلمانيين الذين، بحسب تعبيرهم، “غادروا دوائرهم فور وصولهم إلى البرلمان”، ولم يمارسوا أي ترافع حقيقي عن الملفات التنموية أو الاجتماعية المرتبطة بالجماعات والأقاليم التي منحتهم أصواتها. فضعف الحضور الميداني، وغياب الوساطة لدى القطاعات الحكومية، وعدم مواكبة قضايا التنمية المحلية، كلها عوامل ساهمت في تآكل الثقة بين المنتخب المحلي والنائب البرلماني.
وفي المقابل، تشير مؤشرات ميدانية إلى أن بعض الأحزاب تبدو أقل تعرضاً لهذه الارتدادات الداخلية، بفضل اعتمادها على نمط تدبير سياسي يقوم على التواصل المستمر بين المسؤولين الجهويين والمنتخبين المحليين، إضافة إلى الحضور الفعلي لبعض برلمانييها داخل دوائرهم الانتخابية.
ففي عدد من الأقاليم، نجح برلمانيون في الحفاظ على توازن العلاقة مع رؤساء الجماعات، ليس فقط عبر التنسيق الحزبي، بل من خلال أدوار ترافعية داخل البرلمان، أو عبر التدخل لدى الوزراء والمؤسسات العمومية لجلب مشاريع واستثمارات لفائدة الجماعات الترابية التابعة لدوائرهم. كما لعبت العلاقات الشخصية والتواصل الدائم دوراً محورياً في خلق نوع من الثقة السياسية، خففت من حدة الاحتقان وقلّصت من احتمالات الانفجار الداخلي.
ويرى متابعون أن هذا النموذج من التدبير السياسي، القائم على الحضور الميداني وربط المسؤولية الحزبية بالفعل التنموي، منح بعض الأحزاب قدرة أكبر على الحفاظ على تماسكها الداخلي، مقارنة بأخرى ما تزال تدير علاقاتها بمنطق المناسبات الانتخابية والتحالفات الظرفية.
غير أن المشهد العام يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة، خاصة في ظل مؤشرات متزايدة على بروز أشكال “تمرد انتخابي” غير معلن، قد تتخذ شكل امتناع بعض رؤساء الجماعات عن التعبئة لصالح مرشحي أحزابهم، أو توجيه جزء من قواعدهم الانتخابية نحو خيارات أخرى، كرد فعل على ما يعتبرونه تهميشاً أو إقصاءً سياسياً.
وفي الجهة المقابلة، لا تبدو أحزاب المعارضة بمنأى عن هذه التحولات، إذ تواجه بدورها خطر “الهجرة السياسية” لمنتخبين وأعيان محليين قد يفضلون الاصطفاف إلى جانب أحزاب أكثر قدرة على توفير الحماية السياسية أو ضمان فرص أفضل للتموقع في المرحلة المقبلة.
كل ذلك يجعل من الانتخابات التشريعية المقبلة أكثر من مجرد منافسة تقليدية بين الأغلبية والمعارضة، بل معركة داخلية حول النفوذ والشرعية والقدرة على التحكم في الخريطة الانتخابية المحلية. فالصراع الحقيقي، كما يبدو، لم يعد فقط بين الأحزاب، بل داخلها أيضاً، بين من يمتلك قرار التزكية ومن يمتلك مفاتيح الأصوات على الأرض.
وفي حال عجزت الأحزاب عن تدبير هذه التناقضات بحكمة سياسية وتنظيمية، فإنها قد تجد نفسها أمام مشهد انتخابي مرتبك، تتحكم فيه الحسابات الشخصية وتقاطع المصالح أكثر من الانضباط الحزبي أو البرامج السياسية، لتتحول الجماعات الترابية ورؤساؤها إلى الفاعل الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة وصناعة مفاجآتها.



