كيف تحولت أبي الجعد… الى مدينة للتهميش والعزلة والإقصاء

كانت أبي الجعد يوماً من المدن المغربية ذات الإشعاع الروحي والتاريخي والثقافي، مدينة الزوايا والعلم والتجارة والذاكرة الجماعية.
لكنها اليوم تبدو وكأنها مدينة تُركت لمصيرها، تغرق في التهميش والفقر والانهيار البطيء وسط غياب رؤية حقيقية لإنقاذها أو إعادة الاعتبار لها.
يكفي أن تتجول في أحياء دوار دراعو، السنسلة، الكواشة، الماجدي، السانية، الكريان ودوار القردة والمدينة القديمة (القلب النابض بتاريخ المدينة الحافل بالعطاء والغنى الفكري والثقافي) حتى تصدمك حقيقة مؤلمة: طرق مهترئة، بنية تحتية متآكلة، غياب فضاءات للشباب، هشاشة اجتماعية خانقة، وأحياء تشعر وكأنها خارج الزمن وخارج حسابات التنمية.
هناك، يستقبلك التهميش من أول الأزقة، ويحييك الفقر، وتسلم عليك مظاهر الإهمال في كل زاوية.
شباب المدينة يعيش حالة ضياع حقيقية.
بطالة، غياب فرص، انتشار المخدرات والماحيا والجريمة، وانعدام أي مشاريع أو مبادرات قادرة على احتضان الطاقات الشابة أو إعادة الأمل إليها.
أما الجمعيات المحلية، التي تحاول رغم ضعف الإمكانيات أن تقوم ببعض الأدوار الاجتماعية والثقافية، فهي الأخرى تعيش التهميش والإقصاء وغياب الدعم الحقيقي.
أين هي المشاريع الثقافية؟ أين هي المبادرات الشبابية؟ أين هي الرؤية الاقتصادية التي يمكن أن تعيد الحياة لمدينة تمتلك تاريخاً عريقاً وموقعاً مهماً وإمكانات بشرية كبيرة؟ لا شيء تقريباً.
المدينة تعيش حالة جمود مؤلمة، وكأنها مجرد هامش داخل الجهة، رغم تاريخها ومكانتها.
الساكنة اليوم تشعر بسخط كبير، لأن المجلس الحالي، يبدو منشغلاً أكثر بمصالحه الخاصة والعقارات ومحطات البنزين، أكثر من انشغاله بأوضاع المواطنين الحقيقية.
المدينة تغرق في مشاكلها اليومية، بينما المسؤولون يعيشون بعيداً عن معاناة الناس، وكأن أبي الجعد لا تستحق سوى الوعود والكلام المناسباتي.
كيف يعقل أن مدينة بتاريخ أبي الجعد ما تزال تعاني من هذا المستوى من الهشاشة؟ كيف يعقل أن تمر سنوات كاملة دون مشاريع كبرى أو تحول حقيقي يغير واقع المدينة؟ وكيف يعقل أن يصبح حلم شباب المدينة مجرد الهروب منها أو البحث عن أي فرصة خارجها؟
المشكل اليوم لم يعد فقط في نقص الإمكانيات، بل في غياب الإرادة السياسية والرؤية والغيرة على المدينة. فالتسيير المحلي ليس مجرد تدبير إداري، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه السكان.
وعندما يشعر المواطن أن المسؤول لا يظهر إلا في المناسبات أو عند اقتراب الانتخابات، فإن الثقة تنهار ويتعمق الإحساس بالحكرة والتهميش.
أبي الجعد ليست مدينة فقيرة في تاريخها ولا في قيمتها، بل مدينة تم إفقارها بسوء التدبير وغياب الطموح وافتقاد الجرأة السياسية.
كان يمكن أن تكون قطباً ثقافياً وسياحياً وتنموياً داخل الجهة، لكنها تُترك اليوم تتآكل ببطء وسط صمت مؤلم.
ورغم كل هذا، ما تزال أبي الجعد تملك رجالاً ونساءً وشباباً يحبون مدينتهم ويحلمون لها بمستقبل أفضل.
وما تزال المدينة قادرة على النهوض إذا وُجدت الإرادة الحقيقية والقيادة التي تضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار.
وا أسفاه على مدينة كانت تنبض بالحياة، فأصبحت اليوم فقط على من يبتسم في وجهها الذي تخدشه يوميا تجاعيد النسيان.