أكادير من ورش كبير إلى نموذج إستباقي، قراءة نقدية وإستشرافية في رهانات “الكان” وتحولات المدينة نحو أفق 2030.

د/ الحسين بكار السباعي : محلل سياسي وخبير إستراتيجي
يبدو أن أكادير اليوم، لم تعد تتحرك تحت ضغط الزمن فقط، بل تحت ضغط التحول التاريخي الذي فرض عليها مغادرة مرحلة “الأشغال الممتدة” إلى مرحلة “الجاهزية المتقدمة”، في سباق يختبر قدرة تدبيرية غير مسبوقة في تاريخ المدينة. فالسرعة التي دخلت بها الأوراش في الأسابيع الأخيرة ليست مجرد ارتقاء في الإيقاع، بل هي إعلان عن إنتقال إداري وسياسي نحو نموذج جديد يعرف التنمية باعتبارها فعل يومي موجه بالنتائج، لا بنصوص معلقة على واجهات المكاتب.
إن أي قراءة نقدية للمشهد الراهن،هي قراءة وصفية كاشفة لما شهدته أكادير من “ثورة تدبيرية هادئة” قادتها إرادة صارمة من السلطة الترابية، وعلى رأسها السيد الوالي، الذي نقل مركز القرار من المكاتب المكيفة إلى مواقع الأشغال وأوراشها، ومن لغة الإجتماعات إلى لغة الحذاء الميداني. غير أن هذه الدينامية التي تحسب للسلطات، تضع في المقابل المنتخبين، والفاعلين المدنيين، والمهنيين، وكل قوى المدينة أمام سؤال المشاركة والإنخراط المسؤول. فنجاح مشروع بهذا الحجم لا يصاغ بيد واحدة، بل يحتاج هندسة تشاركية تخرج الفاعلين المحليين من منطقة الفرجة إلى منطقة الفعل، ومن الترقب إلى المبادرة، حتى لا يتحول ضخامة المشروع إلى إنجاز أحادي في مدينة تحتاج إلى تعبئة جماعية حقيقية.
فاستحقاق كأس أمم إفريقيا ليس مجرد لحظة رياضية، بل مرآة كاشفة لصورة المدن أمام إفريقيا والعالم. وتماما كما اكتسبت القاهرة و دكار و كيغالي و الدوحة شرعيتها الدولية من خلال حسن تدبير تظاهرات كبرى، فإن أكادير مدعوة بدورها لترسيخ اسمها كمدينة قادرة على تنظيم حدث قاري بمعايير عالمية، بما يجعل “الكان” ليس نهاية مسار، بل بداية بناء علامة حضرية واقتصادية وسياحية تستمر إلى 2030 وما بعدها. غير أن هذا الطموح لن يتحقق بمجرد اللمسات الأخيرة على بنيات تحتية أو إعادة تأهيل منشآت رياضية. بل يتطلب إحداث “تحول عقلي” في كيفية فهم التنمية، يقوم على القطع مع الموسمية والإنتظارية، وإرساء ثقافة تدبيرية تجعل المتابعة الميدانية قاعدة لا إستثناء، وتربط بين رؤية الوالي، ومسؤولية المنتخب، ومبادرة المجتمع المدني، والتزام القطاع الخاص ومواكبة الاعلام الهادفة والترافعية عن كل ما يخدم التنمية المحلية.
فالبرنامج الملكي للتنمية الحضرية، الذي يقترب من مرحلة الحصاد الكامل، شكل العمود الفقري لهذا التحول، غير أن السؤال المستقبلي هو كيفية حماية هذا المكسب من تبديد الزمن الإداري، وإعادة إنتاج البيروقراطية التي أطاحت بمشاريع مشابهة في مدن أخرى. فالمدن التي قادت تجارب ناجحة ، بداءا من برشلونة إلى كيغالي، ومن الدوحة إلى الدار البيضاء حين إحتضنت أحداث كبرى، لم تنجح لأنها أنجزت أوراشا تهيئة فقط، بل لأنها أسست منظومة تدبير مستدامة تواصل العمل بعد إنتهاء الحدث.
وفي هذا المجال، يشكل مشروع “أملواي” للنقل الحضري، ومحاور الطرق الكبرى، والمركز الإستشفائي الجامعي ومحطة التحلية، والمرافق الرياضية المحيطة بملعب أدرار، نماذج مشروعات استراتيجية تفرض على الفاعلين المحليين التفكير فيما بعدها وهو كيف نضمن صيانتها؟ كيف نجعلها رافعة للإستثمار؟ وكيف ندمجها في رؤية عالمية تجعل المدينة قطب جاذب أكثر من كونها مجرد ورش منجز؟ إن رهان أكادير اليوم ليس فقط أن تنجح في “الكان”، بل أن تستثمر هذا الحدث لتظهر أن نجاح المدن لم يعد تقاس بجمود هياكلها، بل بقدرتها على تحويل لحظة ظرفية إلى رافعة بنيوية، تماما كما فعلت مدن عالمية استغلت كأس العالم أو الأولمبياد أو البطولات القارية لتعيد تشكيل صورتها وتثبيت موقعها الإقتصادي والرمزي.
أكادير اليوم أمام فرصة تاريخية، فإما أن تتحول إلى واجهة وطنية تعكس كفاءة الإدارة المغربية في الميدان، وقدرة النموذج التنموي الترابي على إبداع أساليب جديدة في تنفيذ المشاريع، وإما أن تبقى رهينة لحظة تألق مؤقتة. فنجاح نموذج أكادير، كما يظهر الآن، يتجاوز الإرادة القوية للسلطة الترابية، ليصبح اختبار لإمكان إنتاج “عقد تدبيري جديد” يجمع السلطات والمنتخبين والمجتمع المدني والاعلام في رؤية واحدة نحو 2030، حيث ستستقبل المملكة أحداث كبرى، سيكون لأكادير فيها دور محوري إذا حافظت على هذا النسق التصاعدي في الإنجاز.
ختاما، ما إن ما تشهده أكادير اليوم، يتجاوز حدود التحضير لحدث رياضي إلى حول استراتيجي يعيد رسم مستقبل المدينة السوسية. فالمعيار لم يعد إمتلاك البنيات التحتية وحدها، بل القدرة على إدماجها ضمن حكامة فعالة ورؤية مشتركة تجمع السلطات والمنتخبين والفاعلين المدنيين. فمدينة بلا هذا التناغم قد تبدو كملعب جاهز بلا فريق، أما المدينة التي تنجح في تعبئة طاقاتها حول مشروع واحد، فإنها ترتقي من جاهزية تقنية ظرفية إلى نضج حضاري دائم. وأكادير اليوم على أعتاب هذه اللحظة الجاهزية الفاصلة، لتؤكد مكانتها كقطب صاعد بفضل نموذج تدبيري يليق بطموحاتها ويحولها إلى قطب حضاري وطني ودولي صاعد.



