من الرباط.. ميلاد هيئة إفريقية جديدة برؤية للمعايير والحكامة وتثمين إمكانات القارة

احتضنت مدينة الرباط، يوم 22 شتنبر 2026، الجمع العام التأسيسي للهيئة الإفريقية للتنمية المستدامة المندمجة (CADDI)، وذلك بمقر المركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري من أجل التنمية (CAFRAD)، في محطة تهدف إلى إطلاق إطار إفريقي جديد للتعاون وتثمين الكفاءات والموارد وتعزيز التنمية المستدامة بالقارة.
ويكتسي اختيار مقر المركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري من أجل التنمية لاحتضان هذا الحدث دلالة خاصة، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المركز في مجال التكوين والبحث وتحديث الإدارة العمومية والحكامة بإفريقيا، منذ تأسيسه سنة 1962 بمبادرة من المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه.

وتزامن انعقاد الجمع العام التأسيسي مع إحياء المملكة المغربية، يوم 21 شتنبر 2026، الذكرى الثامنة والعشرين لوفاة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، وهو ما أضفى على المناسبة بعداً رمزياً، لاسيما أن تأسيس الهيئة تم داخل مؤسسة تحمل إرثاً مؤسساتياً مرتبطاً بالتعاون وتنمية القدرات الإفريقية.
وتستند الهيئة الإفريقية للتنمية المستدامة المندمجة، وفق توجهاتها المعلنة، إلى قيم التضامن الإفريقي والتعاون جنوب-جنوب وتقاسم الخبرات، فضلاً عن التنمية المستدامة وتثمين الرأسمال البشري وتعزيز التكامل الاقتصادي للقارة.
وترتكز رؤية الهيئة على ثلاث مهام استراتيجية متكاملة، تتمثل في ترسيخ إفريقية المعايير وآليات الحكامة الخاصة بالمشاريع المستدامة، وتعزيز الحكامة الذكية والمستدامة للأجندات التنموية الإفريقية، إلى جانب التثمين الاستراتيجي للإمكانات التي تزخر بها القارة.
وتسعى الهيئة من خلال هذه الرؤية إلى التقريب بين المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمقاولات والجامعات ومراكز البحث والمنظمات المهنية وفاعلي المجتمع المدني، بهدف بلورة مشاريع ومعارف وحلول تستجيب للأولويات التنموية للقارة الإفريقية.

وشهد الجمع العام التأسيسي مشاركة الأعضاء المؤسسين، إلى جانب عدد من الشركاء الأفارقة والدوليين، وممثلين عن المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين والأكاديميين والمهنيين المنخرطين في قضايا التنمية الإفريقية.
وفي إطار ترجمة توجهاتها إلى برامج ومشاريع عملية، تعتزم الهيئة إحداث لجان ومجموعات عمل متخصصة، فضلاً عن فروع جهوية وتمثيليات وطنية، باعتبارها آليات لتنزيل برامجها ومبادراتها على المستوى الترابي.
وتقوم هندسة الهيئة على ثلاثة فضاءات جغرافية متكاملة، تشمل الفضاء المغربي، الذي يضم الأعضاء والفاعلين المقيمين بالمملكة، والفضاء الإفريقي القاري الذي يجمع الأعضاء والفاعلين المنتمين إلى مختلف الدول والمناطق الإفريقية، ثم الفضاء الدولي المخصص للشركاء والخبراء والمؤسسات والمنظمات من خارج القارة.
وتهدف هذه الفضاءات إلى توفير أطر للتمثيل والتشاور والتعاون وتعبئة الكفاءات والموارد، بما يسمح للهيئة بالتعامل بشكل منظم ومنسق مع القضايا ذات الأولوية المرتبطة بالتنمية الإفريقية، ولا سيما تلك المتصلة بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في أفق 2030 وتطلعات أجندة 2063 للاتحاد الإفريقي.
وأولى الجمع العام التأسيسي أهمية خاصة لمبادرة “ZLECAF Virtuelle” (ZV)، التي تتولى الهيئة حملها وتطويرها باعتبارها إحدى المبادرات الاستراتيجية المرتبطة برؤيتها.
وتقوم المبادرة على تصور منظومة رقمية إفريقية للتنمية المستدامة، تروم تيسير وتأمين التجارة والاستثمار والذكاء الاقتصادي، وربط الفاعلين الاقتصاديين ببعضهم البعض، وتمكينهم من الولوج إلى فرص التنمية المستدامة.
كما تطمح المبادرة، من خلال مفهوم “ممر التجارة الرقمية الإفريقي المندمج”، إلى تعزيز التعاون بين المقاولات والاتحادات والغرف التجارية والمؤسسات المالية والمستثمرين والدول والجماعات الترابية والشركاء التكنولوجيين، خصوصاً في مجال تصميم وتمويل وتنفيذ المشاريع في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).
وتسعى “ZLECAF Virtuelle” كذلك إلى دعم أبعاد متعددة للسيادة الإفريقية، من بينها السيادة الاقتصادية والمالية والتجارية والرقمية والتكنولوجية، مع احترام السيادات الوطنية والأطر المؤسساتية الإفريقية.
وتضع الهيئة ضمن أولوياتها تثمين الكفاءات والمواهب والباحثين والمقاولين والأطر والشباب وأفراد الجاليات الإفريقية، من خلال تشجيع التكوين والتعلم المنتج ونقل المعارف والابتكار وتعزيز التعاون بين المؤسسات الإفريقية.
كما يعكس تشكيل المكتب التنفيذي للهيئة تعدد مجالات الخبرة التي تستند إليها، إذ يضم كفاءات إفريقية نساءً ورجالاً، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات وهيئات إفريقية متخصصة.
وتشمل مجالات الاختصاص التنمية المستدامة وتنمية الرأسمال البشري، والنقل واللوجستيك، ومعايير الشفافية واستدامة السياسات العمومية والبرامج الترابية، والذكاء والابتكار الترابي، وتكنولوجيات المعلومات والاتصال، والمالية العمومية والخاصة، والتمويل الأخضر، والفلاحة الخضراء، والمجالات القانونية الدولية، فضلاً عن قضايا الدياسبورا الإفريقية.
وبهذه المناسبة، عبرت الهيئة عن تقديرها للشركاء المؤسسين والعموميين والخواص والخبراء والمنظمات المهنية والجامعات والدبلوماسيين والباحثين والفاعلين الأفارقة الذين ساهموا في بلورة هذه المبادرة، كما وجهت تقديراً خاصاً إلى المدير العام للمركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري من أجل التنمية (CAFRAD)، لما أبداه من مواكبة وانفتاح مؤسساتي.
وعقب أشغال الجمع العام التأسيسي، تم انتخاب الدكتور لكيحال محمد (Dr LKAIHAL Mhamed) رئيساً للهيئة الإفريقية للتنمية المستدامة المندمجة (CADDI).
ويأتي انتخابه، وفق المعطيات المعلنة، تتويجاً للثقة التي حظيت بها رؤيته الاستراتيجية والتزامه بالقضايا الإفريقية، إلى جانب اشتغاله في مجالات التنمية المستدامة والابتكار والذكاء الترابي والتكامل الإفريقي.
وتؤكد الهيئة، من خلال إطلاقها الرسمي، اعتماد مقاربة تقوم على التعاون بدل التجزئة، والمعرفة بدل التبعية، والابتكار بدل الجمود، وتثمين الموارد الإفريقية بدل الاقتصار على تصديرها، فضلاً عن تحويل الشراكات إلى مشاريع ونتائج ملموسة.
ويشكل الجمع العام التأسيسي، بذلك، نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من عمل الهيئة، عنوانها تعبئة الشركاء، وتطوير البرامج، وإطلاق المبادرات والمشاريع الرامية إلى دعم التنمية المستدامة وتعزيز التكامل والتعاون داخل القارة الإفريقية.





