Uncategorized

الجمعيات تضع الأحزاب أمام مسؤولياتها: حماية حرية تأسيس الجمعيات التزام انتخابي قابل للمساءلة

في خضم الاستعدادات للاستحقاقات التشريعية المقبلة، أعادت جمعيات وشبكات وائتلافات مدنية فتح ملف حرية تأسيس الجمعيات، داعية الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات إلى تحويل حماية هذا الحق الدستوري والقانوني من مجرد خطاب عام حول دعم المجتمع المدني إلى التزام سياسي وتشريعي ومؤسساتي واضح، قابل للتتبع والتقييم والمساءلة.

وجاء ذلك من خلال مذكرة ترافعية موجهة إلى مختلف الأحزاب السياسية، ترصد عددا من الإشكالات التي تقول الجمعيات الموقعة إنها ما تزال تعيق ممارسة الحق في تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها وتحيين وضعيتها القانونية.

وتشير المذكرة إلى استمرار ممارسات من قبيل رفض تسلم ملفات تأسيس الجمعيات أو تجديد هياكلها، وعدم تسليم الوصل المؤقت فورا، والتأخر في تسليم الوصل النهائي، فضلا عن المطالبة بوثائق أو إجراءات لا ينص عليها القانون، وربط بعض الملفات بأبحاث أو موافقات مسبقة.

وترى الجمعيات الموقعة أن استمرار هذه الممارسات من شأنه خلق فجوة بين الضمانات التي يقرها القانون وبين واقع الممارسة الإدارية، معتبرة أن نظام التصريح المعتمد في تأسيس الجمعيات يجب ألا يتحول عملياً إلى ترخيص إداري مسبق بصيغة غير معلنة.

وتشدد المذكرة على أن وصل الإيداع ليس امتيازا تمنحه الإدارة، وإنما إجراء قانوني يترتب عن إيداع ملف مستوفٍ للشروط القانونية، مؤكدة أن أي مخالفة محتملة للقانون تظل خاضعة للآليات القضائية التي يحددها التشريع، ولا تبرر فرض رقابة إدارية قبلية على ممارسة الحق في تأسيس الجمعيات.

كما تؤكد الجمعيات أن احترام القانون مسؤولية متبادلة، مبرزة التزامها بمبادئ الشفافية والحكامة والمساءلة واحترام القوانين، مقابل مطالبتها الإدارة باحترام المساطر والآجال والضمانات القانونية وعدم اتخاذ إجراءات خارج الإطار التشريعي المنظم للعمل الجمعوي.

ولا تعتبر الجمعيات أن تداعيات هذه الإشكالات تقتصر على العلاقة بينها وبين الإدارة، بل ترى أنها تؤثر بشكل مباشر على قدرتها على القيام بأدوارها المدنية والمؤسساتية.

فغياب وصل الإيداع أو عدم تحيين الوضعية القانونية، بحسب المذكرة، قد يعرقل مجموعة من الإجراءات الأساسية، من بينها فتح أو تحيين الحسابات البنكية، وإبرام اتفاقيات الشراكة، والحصول على التمويلات، وإثبات الصفة القانونية للممثلين، فضلاً عن الولوج إلى بعض الفضاءات والخدمات.

وتعتبر الجمعيات أن ضمان ممارسة الحق في تأسيسها لا يرتبط فقط بحماية الفاعلين المدنيين، بل يشكل أيضاً اختباراً لمدى احترام الإدارة لمبدأ سيادة القانون، ولقدرتها على تقديم خدمة عمومية قائمة على الوضوح والشفافية والمساواة، بما يساهم في تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

وفي هذا السياق، وجهت الجمعيات والشبكات والائتلافات المدنية الموقعة على المذكرة مجموعة من المطالب إلى الأحزاب السياسية، داعية إياها إلى إدراج حماية الحرية الجمعوية ضمن برامجها الانتخابية والتزاماتها السياسية.

وتتمحور أبرز المطالب حول ضمان التسليم الفوري لوصل الإيداع المؤقت، المختوم والمؤرخ، بمجرد إيداع ملف مستوفٍ للوثائق القانونية، ووضع حد لأي ممارسة تربط تسليم الوصل بأبحاث أو موافقات مسبقة غير منصوص عليها قانونا.

كما تدعو المذكرة إلى حماية الجمعيات من الآثار المترتبة عن الامتناع الإداري عن تسليم الوصولات، بما يضمن مساءلة الإدارة عند عدم قيامها بالإجراءات التي يفرضها القانون.

وتطالب أيضاً بتسريع رقمنة مساطر تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها عبر منصة وطنية موحدة، تسمح بإثبات الإيداع بشكل فوري وتمكين الجمعيات من تتبع ملفاتها، إلى جانب وضع حد للمطالب المتعلقة بوثائق أو شروط غير منصوص عليها قانونا.

كما تقترح الجمعيات اعتماد إشعار مكتوب ومعلل في حال وجود نقص في الملف، يتضمن تحديد الوثائق الناقصة والأساس القانوني المعتمد، فضلا عن تفعيل الضمانات التي يتيحها القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.

وتدعو المذكرة كذلك إلى إحداث آلية استعجالية ومستقلة لاستقبال تظلمات الجمعيات والبت فيها داخل آجال قصيرة، مع توحيد الممارسة الإدارية على المستوى الوطني من خلال اعتماد دليل مسطري ملزم، وتكوين الموظفين والأعوان المكلفين باستقبال ومعالجة ملفات الجمعيات.

كما تشدد على أهمية إرساء آليات أكثر فعالية للشفافية والمساءلة، عبر نشر معطيات دورية حول ملفات تأسيس الجمعيات وتجديد مكاتبها، وحجم التأخيرات والشكايات المسجلة ومآلاتها.

وفي ختام مذكرتها، دعت الجمعيات والشبكات والائتلافات المدنية الموقعة جميع الأحزاب السياسية إلى تقديم التزامات صريحة وقابلة للقياس والتتبع بشأن حماية حرية تأسيس الجمعيات، وعدم الاكتفاء بإعلانات عامة حول دعم المجتمع المدني.

كما طالبت الأحزاب، سواء من موقعها في الحكومة أو البرلمان أو من موقع المعارضة، باستخدام الآليات التشريعية والرقابية والتنظيمية المتاحة من أجل صيانة الحرية الجمعوية والحفاظ على الطبيعة التصريحية لنظام تأسيس الجمعيات.

وتضع هذه المذكرة الأحزاب السياسية، بالتالي، أمام اختبار واضح خلال الاستحقاقات المقبلة: هل ستظل حرية تأسيس الجمعيات مجرد عنوان في الخطاب الانتخابي، أم ستتحول إلى التزام سياسي ومؤسساتي محدد يمكن للمجتمع المدني تتبعه ومساءلة الفاعلين بشأنه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى