يونس الحكيم يكتب ….. من هدر المال العام إلى هدر الموارد البشرية

:
لم تعد الهجرة في المغرب مجرد اختيار فردي يرتبط برغبة بعض الشباب في تحسين أوضاعهم المعيشية، بل أصبحت تعبيرا جماعيا عن أزمة أعمق تمس معنى الانتماء، وجدوى الجهد، وثقة الأجيال في المستقبل داخل الوطن.
فحين تتحول الهجرة من قرار شخصي إلى حلم واسع الانتشار، ومن أفق استثنائي إلى سلوك شبه جماعي، فإن ذلك لا يشير فقط إلى أزمة اقتصادية، بل يكشف أيضا عن خلل في البنية الاجتماعية نفسها ومن هنا، يصبح الحديث عن الهجرة في المغرب أكثر من مجرد ظاهرة ديموغرافية أو اقتصادية؛ إنه حديث عن أزمة سياسات عمومية عاجزة عن تحويل الشباب من طاقة مهدورة إلى قوة منتجة.
تكتسب هذه الظاهرة معناها الاجتماعي انطلاقا من تصور ماكس فيبر، بحيث أصبحت فعلا اجتماعيا لا يمكن فهمه خارج علاقته بأفعال الآخرين، فالشاب المغربي لا يفكر في الهجرة بمعزل عن محيطه، بل ضمن سياق تتكرر فيه صور الرحيل، وتتداول فيه قصص “الحريك”، وتضخم فيه نماذج النجاح خارج الحدود، ولهذا لم تعد الهجرة فعلا فرديا صرفا، بل باتت تحمل رسالة جماعية مفادها أن الوطن لم يعد يوفر شروط الحياة الكريمة، ويزداد هذا المعنى حين نلاحظ أن شبكات التواصل الاجتماعي تحولت إلى فضاء لتبادل التجارب والمحفزات، مما جعل الهجرة تعرض بوصفها حلا واقعيا، لا مجرد مغامرة و بذلك، أصبحت الهجرة معيارا اجتماعيا جديدا، يشعر معه بعض الشباب أن البقاء هو خيار غير الطبيعي، لا الرحيل.
غير أن هذا الميل الجماعي إلى الهجرة لا يمكن تفسيره فقط بالتمثلات الاجتماعية، لأن جذوره الأعمق ترتبط بما يمكن تسميته بأزمة التوقعات، فالمؤسسات الاجتماعية الأساسية، مثل المدرسة والأسرة والإعلام، تزرع في الشباب طموحات كبيرة وتوهمهم بأن النجاح ممكن ومفتوح، بينما الواقع العملي يواجههم ببطالة مرتفعة، وضعف في جودة التعليم، ومحدودية في فرص الترقي الاجتماعي نتيجة انعدام النزاهة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى سوق الشغل، وهنا تحديدا تتولد المفارقة التي أشار إليها بيير بورديو بين التكوين الرمزي للطموح وبين انسداد شروط تحقيقه فعليا، وبالتالي عندما تتسع هذه الهوة بين ما ينتظر من الشاب وما يستطيع إنجازه داخل المجتمع، تصبح الهجرة ليست مجرد خيار بديل، بل مخرجا من التناقض.
ومن هذا التصور، يمكن فهم الهجرة باعتبارها أيضا شكلا من أشكال “هدر الموارد البشرية”.
فالدولة لا تخسر فقط شخصا غادر، بل تخسر المسار
الطويل الذي استثمرت فيه (التعليم، التكوين، الصحة، والتأهيل الاجتماعي) وهنا تبرز أهمية نظرية رأس
المال البشري عند “شولتز” التي تنظر إلى التعليم
والتأهيل باعتبارهما ليس مجرد إنفاقا استهلاكيا، بل
استثمارا طويل الأمد.
فإذا كان المجتمع ينفق سنوات في تكوين الطبيب أو
المهندس أو الأستاذ أو الحرفي، ثم يفقده في النهاية لصالح أسواق عمل أخرى، فإن الخسارة لا تتوقف عند الفرد نفسه، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني وإلى قدرته على الابتكار والتجدد، لذلك فإن الهجرة، خاصة حين تكون جماعية ومستمرة، تمثل انتقالا من هدر المال
العام إلى هدر الإنسان الذي تم بناءه بالمال العام.
لكن المشكلة لا تقف عند مستوى الخسارة البشرية، بل تتصل أيضا بطبيعة السياسات العمومية الموجهة
للشباب، فبدل أن تبنى هذه السياسات على رؤية
تمكينية طويلة المدى، كثيرا ما تدار بمنطق ظرفي
أقرب إلى الإحسان منه إلى العدالة الاجتماعية،
ويعني ذلك أن برامج الدعم والتشغيل تطرح غالبا
كحلول ظرفية مؤقتة أو مبادرات موسمية، لا كخطة متكاملة تمنح الشباب استقلالية فعلية ومكانة حقيقية في القرار، بالمقابل يظهر منطق آخر أكثر خطورة، هو منطق التجاهل، حين لا يجد الشباب قنوات إنصات
حقيقية تنقل صوته إلى المؤسسات، يتسع الإحساس
بالإقصاء والتهميش، فيتحول الغضب من شكوى
اجتماعية إلى انسحاب رمزي أو فعلي من الحياة
الاجتماعية، أما عندما تتكرر الوعود مع اقتراب
الاستحقاقات الانتخابية، ثم تتبخر بعدها، فإن ذلك
يعمق أزمة الثقة ويجعل الشباب ينظر إلى السياسة
بوصفها فضاء لتدبير الولاءات لا لتغيير الواقع.
هذا الإحساس بالانسداد يفسر كثيرا من سلوكيات
جيل اليوم، الذي يشار إليه أحيانا بعبارة “جيل زيد” وهذا الجيل لا يمكن اختزاله في صور نمطية تصفه
بالكسل أو التمرد غير العقلاني، لأنه في جوهره جيل يحسب المعادلات ببراغماتية واضحة (ماذا سأجني إذا بقيت؟ وماذا أخسر إذا رحلت؟)، فإذا كانت الكرامة
والشغل والمشاركة السياسية والاجتماعية متاحة
خارج الوطن أكثر مما هي متاحة داخله، فالهجرة
تصبح بالنسبة إليه قرارا عقلانيا، حتى لو اتخذ أحيانا
أشكالا مأساوية، ومن هنا يمكن فهم انتقاله إلى
الشارع أو إلى شبكات التواصل هو رغبته في البحث عن تعاقد اجتماعي بديل وليس تمردا عن الواقع المعاش
كما يصفه البعض.
فالشباب لا يطالبون بمعجزات، بل مطالبهم يمكن
اختزالها في ثلاث نقط أساسية: أن يعاملوا بكرامة،
أن تتاح لهم فرص الشغل، وأن يكون لهم صوت في
اتخاد القرار.
ومع ذلك، فإن إنصاف التحليل يقتضي القول أن
المغرب لم يكن غائبا تماما عن هذه الإشكالات، إذ تم
اعتماد سياسات واستراتيجيات مرتبطة بالهجرة
وإدماج الشباب لكن المشكلة الأساسية تكمن في كون هذه السياسات لم تترجم دائما إلى أثر ملموس، لأن
المعادلة ليست فقط في وجود برامج، بل في قدرتها
على خلق الثقة ورثق الهوة بين الواقع والبرامج
لتحقيق النتائج المنتظرة، من هنا فإن ضعف التقييم، وغياب التنسيق، وافتقار بعض التدخلات إلى
الاستمرارية، كلها عوامل تجعل السياسة العمومية
تبدو منفصلة عن الواقع الذي يفترض أن تعالجه،
لذلك لا يكفي القول أن هناك برامج موجهة للشباب، بل يجب أن نسأل هل يشعر الشباب فعلا أن هذه البرامج تعنيهم؟ وهل تمنحهم القدرة على البقاء والانخراط في سيرورة الحياة الاجتماعية داخل بلدهم؟
إن تجاوز هذه الأزمة لا يقتضي فقط تحسين بعض الإجراءات التقنية، بل يتطلب تغييرا في فلسفة التعامل مع الشباب، فبدل النظر إليهم كفئة تحتاج إلى احتواء أمني أو إلى دعم موسمي، ينبغي التعامل معهم
كشركاء في الإنتاج السياسي والاجتماعي، وهذا يفرض ثلاث تحولات أساسية:
أولها الانتقال من سياسة الإدماج الشكلي إلى سياسة
التمكين الحقيقي، بما يعني إشراك الشباب في صنع
القرار لا مجرد استشارتهم؛
ثانيا الانتقال من منطق المراقبة إلى منطق الإنصات، عبر مؤسسات وسيطة قادرة على التقاط نبض الشارع وتحويله إلى اقتراحات عملية؛
ثالثا ربط الاستحقاقات الانتخابية بمشاريع واضحة
تستجيب فعلا لحاجات الشباب في التشغيل والتعليم والصحة والكرامة، كون المشكلة ليست في غياب
الخطاب حول الشباب، بل في غياب السياسات التي
تجعل هذا الخطاب قابلا للتنفيذ.
ختاما ، لا يمكن فهم هجرة الشباب المغربي باعتبارها مجرد رغبة في الرفاه أو في المغامرة، بل ينبغي قراءتها كإشارة إنذار قوية على أزمة أعمق تمس الثقة في الدولة والمجتمع معا، فحين يفقد الشباب معنى البقاء، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في توزيع الموارد فقط، بل في تنفيذ السياسات العمومية.
إن أخطر أنواع الهدر هو أن تنتج أجيالا ثم تتركها
تغادر لتبحث عن القيمة التي لم تجدها في وطنها
ولذلك، فإن مستقبل المغرب لن يقاس فقط بما يبنيه من بنى تحتية، بل بما ينجح في الاحتفاظ به من
طاقاته البشرية.



