استعمار أرضنا مسألة سيادة.. ونقائص التنمية ظرفية متجاوزة

القنيطرة: سعيد بوطبسيل
يعود ملف المدينتين السليبتين، سبتة ومليلية، إلى الواجهة الإعلامية مع كل تصريح ينطوي على نبرة استعلاء، وكان آخرها الأقوال المنسوبة لرئيس حكومة مليلية المحتلة الذي تساءل مستنكرا: “ما الفائدة من استرجاع سبتة ومليلية إذا كان المغرب يعاني من بطالة الشباب وضعف الخدمات الاجتماعية؟”؛ مقيماً بذلك مفاضلة بين كفاءة التدبير المحلي ومستوى التنمية، وبين الحق التاريخي والسيادي الثابت. وسواء صحّت هذه التصريحات بألفاظها أو جرى تحريفها، فإن الخطورة اللافتة لا تكمن في تصريح مسكون برواية الطرف الآخر فقط، بل في انسياق فئات واسعة من الشباب المغربي وراء هذا التوجه، وترديد هذه الطروحات على المنصات الرقمية.
يظهر هذا الانسياق بوضوح حين يُقابل أي استنكار وطني لتلك التصريحات بردود فعل مستهجنة ومتنمرة من طرف بعض الشباب، وكأن المطالبة باسترجاع الأرض أضحت تهمة أو أمراً غير مشروع بحجة وجود شباب عاطل عن العمل وتحديات معيشية. إن تحول الخطاب الداخلي إلى منطق يرهن الكرامة والسيادة بالوضع الاقتصادي يمثل انزلاقاً يمس بالوعي الجمعي والذاكرة الوطنية، وهو ما يستدعي الوقوف عند المغالطة المنطقية الشائعة التي تعتمد الربط الشرطي بين استرجاع الأرض وإصلاح الوضع الداخلي؛ فالسيادة الوطنية والنهوض الاجتماعي ليسا مسارين متعارضين يتطلب أحدهما التضحية بالآخر، بل هما ركيزتان متوازيتان تُبنى عليهما الأوطان وتصان بهما حقوق الشعوب.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الماسة إلى تأطير الشباب وتوعيته لإذكاء روح الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية، وحثه على العمل والاجتهاد كسبيل رئيسي للمساهمة في التنمية الشاملة. إن حماية الوطن وتنميته تتطلبان بناء جيل واعٍ قادر على التمييز بين النقد البنّاء للمؤسسات والسياسات العمومية وبين السقوط في فخ التزهيد بالحقوق التاريخية. فالشباب المؤطر والمحصن هو الخط الدفاعي الأول عن مصالح البلاد، سواء ضد أطماع العدو الخارجي الذي يستغل الثغرات، أو ضد الخائن المحلي الذي يعبث بمقدرات الوطن ومصالح العباد.
إن الرهان على وضع جغرافي استثنائي يمنح امتيازات عابرة يُغفل حقيقة أن التنمية المستدامة والكرامة الحقوقية لا تُستورد من الخارج، بل تُبنى داخل المؤسسات الوطنية عبر الإصلاح المتواصل والمساءلة. كما أن الرد العملي والأقوى على أي مناوشات أو استخفاف خارجي لا يقف عند السجالات الشفهية، بل يمتد إلى تسريع عجلة التنمية في المناطق الحدودية وجعل النموذج الوطني أكثر كفاءة وجاذبية، إذ تُقاس قوة الأوطان بالتمييز الواعي بين حق سيادي ثابت لا يقبل المساومة، وبين ورش إصلاحي داخلي يستوجب النقد والعمل المستمر.



