
إن الرعاية السامية التي ما فتئ يخص بها مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الملتقى العالمي للتصوف، برئاسة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، مكنته من لعب دور هام في إشاعة قيم الرحمة والوسطية والاعتدال، وهي رؤية ملكية راسخة جعلت من الشأن الديني ركيزة للاستقرار، من خلال الإشعاع لرؤية صوفية سنية، تراعي كلي الزمان، وتشكل أحد الروافد الأصيلة التي تحفظ للمغرب توازنه التاريخي وخصوصيته الحضارية. فليس من اليسير أن يحافظ ملتقى علمي على انتظامه لعقدين كاملين، وأن يتحول إلى موعد ينتظره العلماء والمفكرون من مختلف أنحاء العالم، لولا أن هذا المشروع وجد منذ بداياته عناية ملكية كريمة، لمولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يسر له أسباب الاستمرار، وعزز مكانته ضمن الصروح العلمية التي أصبحت جزءًا من الإشعاع الفكري للمملكة. وتلك سنة مغربية راسخة؛ إذ ما فتئ ملوك الدولة العلوية يسبغون العلم وأهله بعنايتهم وعطفهم، إلا أثمر ذلك مبادرات علمية جادة ومسؤولة، تحمل رسالة الوطن إلى العالم.
واستطاع الملتقى العالمي للتصوف أن يغادر منطق الندوات الموسمية إلى فضاء المدرسة الفكرية المتجددة. عشرون دورة متتابعة صنعت أرشيفًا علميًا ثريًا، وراكمت نقاشًا رصينًا حول أسئلة الإنسان المعاصر، من خلال أزيد من 40 إصدارا لمؤسسة الملتقى، وشارك في دوراتها ما يقارب 2000 مشارك، ليصبح فضاءً لإنتاج المفاهيم وتبادل المعارف. فمن يتتبع عناوين الدورات يكتشف خيطًا فكريًا ناظمًا، يربط بين التصوف والقيم، وبين الدين والتنمية، وبين التربية والسلام، وبين الذكاء الاصطناعي والحياة الطيبة، وكأن الملتقى يقرأ حركة التاريخ وهو يبحث عن موقع الروح داخل عالم تتسارع تحولاته. هذه القدرة على استباق الأسئلة قبل أن تتحول إلى أزمات، هي التي منحت هذا الموعد العلمي راهنيته، وجعلته يحافظ على حضوره في زمن تتغير فيه الأولويات بسرعة غير مسبوقة.
وبفضل هذه العناية الكريمة لمولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تحول إشعاع الملتقى مع مرور السنوات إلى أحد أهم جسور الدبلوماسية العلمية والروحية. فمداغ لم تستقبل ضيوفًا يحضرون جلسات علمية ثم يغادرون في صمت، وأضحت تستقبل وزراء، ورؤساء مجالس علمية، وشخصيات دينية وازنة، وأساتذة جامعات مرموقة، ومفكرين وباحثين من مختلف القارات، يحمل كل واحد منهم تجربة حضارية، ويعود حاملًا صورة أخرى عن المغرب وأهله، وسفراء لنشر قيمه، مع إشادات واسعة بالرؤية الملكية السديدة القائمة على التسامح والتعايش واحترام المشتركات الإنسانية وبناء إنسان واع بتحديات العصر، يخدم وطنه بإخلاص وتفان. وهنا تتجلى قيمة الدبلوماسية الهادئة التي تصنعها قوة الفكرة وصدق النموذج وقدرته على الإقناع. فكثير من الوفود وجدت في التجربة المغربية نموذجًا متوازنًا لتدبير الشأن الديني، يجمع بين إمارة المؤمنين، والفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، فخرجت بانطباع أن المغرب يقدم تجربة مؤسساتية متكاملة جعلت من الدين عنصرًا للاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية. وهكذا يتحول الملتقى، عامًا بعد آخر، إلى نافذة مشرعة على القوة الناعمة المغربية، وإلى رافعة من روافع الحضور الدولي للمملكة في مجال الحوار الديني والثقافي.
ومن أسرار هذا النجاح أن موضوعات الملتقى ظلت تلتقط نبض المرحلة، وتتحرك داخل الأفق الذي رسمته التوجيهات الملكية السامية في ترسيخ الإسلام الوسطي، وتعزيز القيم، وصيانة الكرامة الإنسانية، والانفتاح على العالم، وخدمة السلم. لذلك جاءت عناوين الدورات وكأنها تواكب التحولات التي يعيشها المغرب والعالم، فتارة تنشغل ببناء الإنسان، وتارة تستحضر رهانات التنمية، ثم تفتح باب النقاش حول الذكاء الاصطناعي، قبل أن تجعل من الحياة الطيبة عنوانًا لدورتها العشرين، في انسجام عميق مع الرؤية الملكية التي تنظر إلى الدين باعتباره طاقة أخلاقية قادرة على مواكبة العصر وصناعة المستقبل، وهذا ما منح الملتقى شخصيته الخاصة، وجعله يتحرك داخل مشروع وطني كبير، تتكامل فيه المؤسسات، وتقوم بدورها الوطني الطبيعي، خدمة للمشروع التنموي الرائد الذي يقوده جلالة الملك.
ويأتي هذا الاختيار الفكري في لحظة يعيش فيها العالم واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا. فالثورة الرقمية أعادت تشكيل العلاقات الإنسانية، والذكاء الاصطناعي فتح آفاقًا غير مسبوقة أمام المعرفة، كما فتح أسئلة عميقة حول الأخلاق والمسؤولية، بينما تتسع دوائر العنف، وتتراجع الثقة، وتتآكل الروابط الاجتماعية تحت ضغط الفردانية والاستهلاك. وفي خضم هذه التحولات، يطرح الملتقى سؤالًا مختلفًا؛ سؤال الإنسان والقيم قبل الأدوات، ولذلك يبدو الحديث عن الحياة الطيبة، وعن التربية الروحية، وعن تزكية النفس، مساهمة فكرية في النقاش العالمي حول مستقبل الحضارة، لأن الأزمة التي يعيشها العالم ليست أزمة إمكانات، ولعلها أصبحت أزمة بوصلة توجه تلك الإمكانات نحو الخير العام.
من المهم الإشارة أن الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، الشيخ الشرعي الموصى له، بوصيتين عدليتين، تقومان مقام القانون، وتجعل المريدين أصحاب الحق في التصرف في كافة مرافق الزاوية تحت إشراف شيخها، ولا حق لأحد في احتلال مرفق من مرافقها، وهو الأمر الذي يحرص عليه الدكتور مولاي منير بحِلم وروية وحكمة.
وبعد عشرين دورة من العطاء، يغدو السؤال عن مستقبل الملتقى سؤالًا عن مستقبل أحد أهم المشاريع الفكرية التي أنجزها المغرب في العقود الأخيرة، بفضل الرعاية الملكية السامية، فالمؤسسات التي تصنع التاريخ تحتاج إلى رؤية متجددة تحفظ لها روحها، وتوسع أثرها، وتفتح أمامها آفاقًا جديدة في البحث والتكوين والشراكات الدولية وإنتاج المعرفة. لقد أصبح الملتقى العالمي للتصوف جزءًا من الذاكرة العلمية للمملكة، ورصيدًا من أرصدة قوتها الناعمة، ومنبرًا يجتمع فيه الفكر والروح والوطن. وصيانة هذا الإرث تعني صيانة تجربة أثبتت أن المغرب قادر، بعمقه الحضاري، وبعلمائه ومؤسساته، على أن يقدم للعالم نموذجًا تتعانق فيه الأصالة مع التجديد، وتلتقي فيه الهوية مع الانفتاح، ويظل الإنسان فيه محور كل مشروع.



