وجهات نظر

سمو الدستور على مشروع وهبي.. حين يكون الاحتكام إلى المحكمة الدستورية انتصارا لدولة المؤسسات .

محمد سقراط الكاتب العام
النقابة الشعبية للشغل .

 

في كل دولة تؤمن بسيادة القانون، لا تقاس قوة المؤسسات بقدرتها على سن التشريعات فحسب، بل بمدى خضوع تلك التشريعات للمرجعية الدستورية التي تعلو الجميع. فالبرلمان، رغم ما يملكه من اختصاص أصيل في صناعة القوانين، يستمد شرعية ممارسته من الدستور، ولا تكتمل مشروعية أي نص تشريعي إلا بقدر انسجامه مع أحكامه وروحه ومبادئه.

ومن هذا المنطلق، فإن إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية تمثل ممارسة دستورية راقية، وتجسيدا فعليا لمنطق دولة المؤسسات، حيث يحتكم الجميع إلى المرجعية العليا التي لا تعلو عليها إرادة، ولا تسمو فوقها سلطة.

فالمحكمة الدستورية ليست طرفا في أي نقاش سياسي أو تشريعي، ولا تنحاز إلى رأي دون آخر، وإنما تنهض بمهمة دستورية سامية تتمثل في صيانة الدستور وحماية سموه، وضمان احترام حدوده من قبل جميع السلطات. ولذلك، فإن اختصاصها لا يقوم على ترجيح المواقف، وإنما على إعمال الرقابة الدستورية وفق أحكام القانون ومنطق العدالة الدستورية.

إن الدستور ليس مجرد وثيقة قانونية تنظم اختصاصات المؤسسات، بل هو العقد الدستوري الذي ارتضته الأمة أساسا لبناء الدولة الحديثة، والمرجع الذي تستمد منه القوانين قوتها ومشروعيتها. ومن ثم، فإن أي تشريع لا ينسجم مع مقتضياته يفقد أساسه الدستوري، مهما كانت الجهة التي أصدرته أو الأغلبية التي صوتت عليه.

والاحتكام إلى المحكمة الدستورية لا ينبغي أن يفسر باعتباره مواجهة بين مؤسسات الدولة أو انتصارا لفريق على حساب آخر، بل هو تعبير عن نضج الممارسة الديمقراطية، وترسيخ لمبدأ الفصل بين السلطات، واحترام لاختصاص كل مؤسسة في الحدود التي رسمها الدستور.

فالدول لا تقاس برفعة مؤسساتها عندما تتفق فقط، وإنما عندما تمتلك الآليات الدستورية الكفيلة بحسم الاختلاف وفق قواعد القانون، بعيدا عن منطق الغلبة أو ضغط المواقف. وفي هذا السياق، تشكل المحكمة الدستورية صمام أمان للنظام الدستوري، وحارسا للحقوق والحريات، وضامنا لتوازن المؤسسات واستقرارها.

إن ثقافة الاحتكام إلى القضاء الدستوري هي في جوهرها ثقافة الإيمان بالدولة، وإعلاء لمنطق القانون، وتجسيد حقيقي لمبدأ سمو الدستور باعتباره المرجعية العليا التي تنتظم في ظلها جميع السلطات والاختصاصات. فلا قيمة لأي قانون إذا تعارض مع الدستور، ولا مشروعية لأي ممارسة إذا تجاوزت حدوده.

ومن هذا المنطلق، فإن انتظار كلمة المحكمة الدستورية بكل احترام ومسؤولية ليس تعطيلا للمسار التشريعي، وإنما هو استكمال له وفق القواعد التي أرساها الدستور نفسه. فالديمقراطية الحقيقية لا تكتمل بالأغلبية العددية وحدها، وإنما تترسخ عندما تخضع الأغلبية والأقلية، والسلطات كافة، لحكم الدستور وسيادة القانون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى