يونس المنصوري يكتب: بين الدبلوماسية والاستعراض عندما تختلط الأولويات وتضيع الرسائل

ليست المرة الأولى التي يثار فيها الجدل حول طبيعة الأنشطة التي تنظمها بعض التمثيليات المغربية بالخارج، كما أنها لن تكون الأخيرة ما دام النقاش مرتبطاً بصورة المغرب وتمثيله أمام العالم. غير أن ما يثير الانتباه في كل مرة ليس فقط أسماء الحاضرين أو طبيعة الفقرات المبرمجة، بل السؤال الأعمق المتعلق بالرسالة التي يراد إيصالها للمغاربة المقيمين بالخارج ولشركاء المغرب الاقتصاديين والمؤسساتيين.
فحين يتعلق الأمر بلقاءات يحضرها رجال أعمال ومستثمرون وممثلون لمؤسسات رسمية أو قنصلية، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن عن طبيعة المعايير المعتمدة في اختيار الشخصيات التي توضع في واجهة الحدث. فالدبلوماسية ليست مجرد حضور شكلي أمام عدسات الكاميرا، بل هي عملية تواصل دقيقة تقوم على الرمزية والصورة والانطباع الأول، لأن صورة الدولة في الخارج كثيراً ما تُختزل في تفاصيل تبدو للبعض بسيطة لكنها تحمل دلالات عميقة.
ولا خلاف في أن الثقافة المغربية بمختلف مكوناتها الشعبية والعصرية تمثل أحد أهم عناصر القوة الناعمة للمملكة. فالموسيقى والتراث والفنون الشعبية كانت دائماً جسوراً للتعريف بالمغرب وإبراز تنوعه الحضاري والثقافي. لكن القوة الناعمة نفسها تفقد جزءاً من قيمتها عندما يتم توظيفها خارج السياق المناسب أو عندما تتحول من وسيلة للتعريف بالهوية إلى مادة لصناعة الجدل والانقسام.
إن ما يزعج شريحة واسعة من المغاربة ليس وجود فنان أو فنانة في نشاط معين، بل الشعور بأن الأولويات أصبحت أحياناً مقلوبة. فالجالية المغربية المنتشرة عبر العالم تواجه تحديات حقيقية ومعقدة؛ من مشاكل الوثائق الإدارية، وتعقيدات الاستثمار، وصعوبات نقل رؤوس الأموال، إلى الإكراهات المرتبطة بالعقار والقضاء والإدارة. وهي ملفات تتطلب جهداً يومياً ومواكبة مؤسساتية حقيقية أكثر مما تتطلب صناعة صور احتفالية للاستهلاك الإعلامي.
ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: هل تقوم بعض المؤسسات بواجبها الأساسي كما ينبغي قبل البحث عن الواجهة الاحتفالية؟ وهل يتم تقييم نجاح الأنشطة بعدد الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي أم بعدد الملفات التي تم حلها وعدد المستثمرين الذين تمت مواكبتهم وعدد المشاكل التي وجدت طريقها إلى الحل؟
لقد أصبحت الجالية المغربية اليوم قوة اقتصادية لا يستهان بها. فهي تضخ سنوياً مليارات الدراهم في الاقتصاد الوطني، وتساهم في دعم الأسر والاستثمار وتحريك عجلة التنمية المحلية في العديد من المناطق. ولذلك فإن نظرة أفراد الجالية إلى مؤسساتهم لم تعد قائمة فقط على الجانب العاطفي أو الرمزي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمدى نجاعة الخدمات المقدمة لهم ومدى شعورهم بأن قضاياهم تحظى بالأولوية.
ومن زاوية أخرى، فإن النقاش الدائر يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم التمثيل نفسه. فمن يمثل المغرب في الخارج؟ وهل التمثيل مجرد حضور لأسماء معروفة قادرة على جذب الانتباه، أم أنه مسؤولية تقتضي اختيار شخصيات تعكس طبيعة الحدث وأهدافه؟ فليس كل نشاط ثقافي مناسبة اقتصادية، وليس كل لقاء اقتصادي يحتاج إلى طابع استعراضي من أجل أن ينجح.
إن الدول التي نجحت في توظيف قوتها الناعمة لم تجعل منها بديلاً عن العمل المؤسساتي، بل جعلتها مكملة له. فالفن والثقافة والدبلوماسية والاقتصاد مجالات متكاملة، لكن لكل مجال قواعده ورموزه وسياقاته الخاصة. وعندما تختلط هذه الحدود بشكل غير مدروس، يصبح الجدل هو النتيجة الطبيعية، وتضيع الرسالة الأصلية التي كان يفترض أن تصل إلى الجمهور.
إن المغاربة بالخارج لا ينتظرون من قنصلياتهم أن تتحول إلى منصات للفرجة بقدر ما ينتظرون منها أن تكون جسوراً لحل مشاكلهم والدفاع عن مصالحهم وتسهيل ارتباطهم بوطنهم الأم. كما أن المستثمر الأجنبي لا يبحث عن الصور بقدر ما يبحث عن مؤشرات الجدية والاستقرار والوضوح المؤسساتي.
لذلك يبدو من الضروري اليوم فتح نقاش هادئ ومسؤول حول طبيعة الأنشطة التي تنظمها المؤسسات المغربية بالخارج، وحول المعايير التي تحكم اختيار المشاركين فيها، وحول الحدود الفاصلة بين ما هو ثقافي وترفيهي وما هو اقتصادي ودبلوماسي. فالمسألة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بصورة بلد بأكمله وبالرسائل التي يريد أن يبعثها إلى مواطنيه وإلى العالم.
وفي النهاية، تبقى قوة الدول الحقيقية في قدرتها على جعل مؤسساتها تتحدث بلغة الإنجاز قبل لغة الصورة، وبلغة النتائج قبل لغة الاستعراض. لأن الاحترام الذي تبحث عنه الأمم في الخارج لا يُصنع في قاعات الاحتفال وحدها، بل يُبنى أساساً من خلال مؤسسات قوية، وأولويات واضحة، وإحساس المواطن بأن قضاياه الحقيقية توجد دائماً في صدارة الاهتمام.



