وجهات نظر

لا تلعنوا الفساد… وأنتم تعيدون انتخابه…

ابراهيم ادريسي

 

 

في كل موسم انتخابي، يتكرر المشهد نفسه بشكل يكاد يدعو للسخرية: المقاهي ممتلئة بالنقاشات السياسية، وصفحات التواصل الاجتماعي مشتعلة بالتحليلات، والكل يتحدث بحماس عن “المرشح القوي” و”الاسم الثقيل” و”الحزب الذي سيلتحق به فلان”. أما البرامج؟ التنمية؟ التعليم؟ الصحة؟ النقل؟ البطالة؟ فكلها تفاصيل مؤجلة لا تحظى إلا بفتات الاهتمام، وكأن الانتخابات مباراة لتبديل القمصان الحزبية لا لحسم مصير مدن وقرى تعيش أزمات حقيقية منذ عقود.

المثير للسخرية أكثر أن جزءاً كبيراً من الساكنة يناقش السياسة من نفس الزاوية التي يناقش بها الأعيان مصالحهم الخاصة. المواطن الذي يشتكي صباح مساء من الحفر والبطالة وغياب فرص الشغل ورداءة الخدمات، هو نفسه الذي يتحول في موسم الانتخابات إلى مسوّق متحمس لنفس الأسماء التي كانت جزءاً من المشهد لسنوات طويلة.

يلعن الواقع طوال خمس سنوات، ثم يعود ليصوت له بكل حماس في يوم الانتخابات.

لكن الأزمة لا تقف فقط عند المال والنفوذ وشراء الولاءات، بل تمتد أيضاً إلى نوع آخر من التصويت لا يقل خطورة: التصويت الأعمى بدافع الولاء الحزبي أو الانبهار بالشعبوية والكلام المعسول. هناك من يصوت لحزب معين كما لو أنه يشجع فريق كرة قدم، لا يهمه البرنامج ولا الحصيلة ولا التناقضات، فقط لأنه ورث هذا الولاء أو اعتاد ترديد نفس الشعارات. وهناك من ينجذب لكل من يرفع صوته أكثر، أو يتقن لعب دور “المنقذ الشعبي” بخطابات عاطفية تلامس الغضب والإحباط دون أن تقدم حلاً واحداً قابلاً للتطبيق.

وهكذا يتحول النقاش السياسي إلى استهلاك جماعي للشعارات الفضفاضة والوعود الرنانة، بينما تُهمّش الكفاءة والخبرة والقدرة الحقيقية على التدبير. فبعض الناخبين لا يبحثون عمن يملك مشروعاً، بل عمن يتقن الكلام ويعرف كيف يهاجم الخصوم ويُشعل المنصات والشعارات. والنتيجة معروفة سلفاً: كثير من الضجيج، قليل من العمل، وصفر تغيير حقيقي على أرض الواقع.

كثيرون يتحدثون عن ضعف البنيات التحتية وكأنها كارثة طبيعية نزلت من السماء، بينما الحقيقة أبسط وأكثر إزعاجاً: الرداءة لا تسقط فجأة، بل يتم انتخابها بعناية.

والمنتخب الذي يعود كل مرة ليس ساحراً، بل نتيجة مباشرة لعقلية انتخابية ما زالت تعتبر النفوذ والمال والقرابة والانتماء الحزبي الأعمى والخطابات الشعبوية أهم من الكفاءة والبرامج والمحاسبة.

الحديث عن “صاحب الشكارة” أصبح عند البعض نوعاً من الإعجاب لا من الإدانة، كما أن الحديث عن “الزعيم الشعبوي” صار عند آخرين بديلاً عن التفكير العقلاني. الأول يشتري النفوذ بالمال، والثاني يشتري العقول بالشعارات، وفي النهاية يدفع المواطن الثمن في الحالتين معاً. أما الأحزاب، فقد تحولت عند كثيرين إلى مجرد واجهات موسمية تُستعمل للوصول إلى المقاعد، ثم تُرمى بمجرد تغير ميزان المصالح. نفس الأشخاص ينتقلون بين الأحزاب بسهولة مذهلة، والناخب نفسه الذي كان يسب الحزب بالأمس، يصفق اليوم للمرشح نفسه بعد أن غيّر لونه السياسي.

الانتخابات عند جزء من المجتمع لم تعد مناسبة لمحاسبة المسؤولين، بل تحولت إلى طقس جماعي لإعادة تدوير نفس الوجوه، ثم التظاهر بالصدمة بعد ظهور نفس النتائج: بطالة، هشاشة، تهميش، ووعود تتكرر بشكل ميكانيكي.

والأسوأ أن كثيرين يتصرفون وكأنهم ضحايا منظومة مفروضة عليهم، بينما هم في الحقيقة يشاركون في إنتاجها كل مرة، بالصمت أحياناً، وبالتصويت القبلي أو العاطفي أو الشعبوي أو المصلحي أحياناً أخرى.

لا يمكنك أن تستمر في التصويت لمن يشتري الولاءات، ثم تشتكي من الفساد. ولا يمكنك أن تمنح صوتك لمن يجيد الصراخ وإلقاء الخطب الحماسية دون أي حصيلة أو كفاءة، ثم تتساءل لماذا بقي كل شيء على حاله. التغيير لا يصنعه أكثر المرشحين ضجيجاً، ولا أكثرهم ثراءً، ولا أكثرهم قدرة على دغدغة المشاعر، بل يصنعه وعي انتخابي يربط المسؤولية بالمحاسبة، والكلام بالإنجاز.

المشكلة الحقيقية ليست فقط في السياسي الذي يستغل الجهل الانتخابي، بل أيضاً في الناخب الذي يرفض أن يتصرف كمواطن، ويصرّ على لعب دور المشجع الحزبي أو الزبون الموسمي أو المتفرج المنبهر بالشعارات.
لهذا تستمر نفس المسرحية كل خمس سنوات: نفس الصور، نفس الوعود، نفس الضجيج، ونفس الخيبة بعد انتهاء التصويت.

الحقيقة القاسية التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أن التغيير لا يبدأ من الأحزاب ولا من المرشحين فقط، بل يبدأ حين يتوقف الناخب عن التصويت بعقله القبلي والعاطفي والحزبي الضيق، ويتعامل مع صوته كأداة للمحاسبة لا كهدية مجانية أو تعبير عن ولاء أعمى. أما غير ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج لنفس الرداءة، مع كثير من الصراخ وقليل جداً من الشجاعة للاعتراف بمن يصنعها فعلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى