من المدرجات إلى الشارع: حين يصبح العنف الرياضي “إرهاباً ميدانياً” يهدد سلامة الأشخاص وصورة الوطن

القنيطرة: سعيد بوطبسيل
شكلت أحداث العنف التي شهدها ملعب الأمير مولاي عبد الله بالأمس صدمة ميدانية قوية، كشفت عن فجوة عميقة بين طموحات المغرب الكروية وبين واقع بعض الفئات التي استباحت المنشآت العامة. لقد بلغت الهمجية ذروتها حين تحولت تجهيزات الملعب ومرافقه، التي كلف تشييدها الملايير من مال الشعب، إلى أدوات للتراشق الدامي وقذائف في يد المخربين. إن اقتلاع الكراسي وتفكيك المعدات لاستخدامها كأسلحة يمثل إهانة صريحة لجهود الدولة في بناء بنية تحتية عالمية استعداداً لنهائي كأس العالم، ويضع “الأمن الرياضي” كأولوية قصوى لحماية هيبة الوطن ومنشآته.
ولا يمكن عزل هذه الوقائع عما راكمته بعض المباريات السابقة، خصوصا تلك التي كان طرفها فريق الجيش الملكي، حيث ظلت في كثير من الأحيان مسرحا لانفلاتات أمنية خطيرة لم تكن تقتصر على محيط الملعب، بل تمتد إلى الشوارع والأحياء المجاورة، بما يحول الفضاء الحضري برمته إلى مجال توتر مفتوح. وقد ذاقت مدينة القنيطرة الأمرين جراء احتضانها لمثل هذه المواجهات، إذ شهد ملعبها أحداثا دامية ما تزال عالقة في أذهان القنيطريين، وتشكل دليلا ملموسا على أن العنف الرياضي لم يعد مجرد سلوك عرضي، بل ظاهرة لها امتدادات مجالية واجتماعية مقلقة.
هذا الانفلات الميداني يجد جذوره في ثقافة “شرعنة العنف” التي تتسلل إلى عقول بعض المشجعين عبر الشعارات التحريضية. إن رفع لافتات تحمل لغة دموية، مثل تلك التي هددت المدرب بعبارة “الاستقالة ولا وجد القبر”، يعد المنطلق الحقيقي لكل ما نراه من فوضى؛ فهذا النوع من الإرهاب اللفظي يمنح غطاءً أخلاقياً للجريمة تحت مسمى الانتماء للنادي. وقد زحف هذا الوعيد من أسوار الملعب ليصل إلى الحياة الخاصة للمسيرين، كما ظهر في واقعة استهداف سيارة رئيس نادي “الكاك” ووسمها بعبارة “نوبتك جايا”. نحن أمام سلوك إجرامي منظم يهدف إلى ترهيب الكفاءات والتحكم في مصائر الأندية بقوة التخريب، مما يجعل البيئة الرياضية طاردة لكل عمل مؤسساتي سليم.
تتطلب حماية الحلم المونديالي المغربي اليوم موقفاً حازماً يتجاوز حدود التنديد، عبر قطع دابر المحرضين وتجفيف منابع الفوضى بدءاً من بوابات الملاعب. يجب التعامل مع التهديد بالقتل، سواء عبر لافتة أو كتابة على ممتلكات خاصة، وتخريب التجهيزات العامة كجرائم جنائية لا تقبل التهاون أو التنازل. إن تحميل الأندية وفصائل المشجعين المسؤولية المادية والقانونية المباشرة عن كل فعل تخريبي هو الضمانة الوحيدة لتنظيف الوسط الرياضي من الفكر الإقصائي، ليبقى المغرب وجهة حضارية تليق باستضافة أكبر عرس كروي في العالم.



