جهات

حين تكتمل الرؤية وتتوفر الإمكانيات… جهة الشرق عامة و وجدة بالخصوص أمام فرصة الإقلاع

ابراهيم ادريسي

 

في التاريخ لحظات لا تُنسى… لحظات تُرسم فيها ملامح المستقبل قبل أن يتحقق.

وكان يوم 18 مارس 2003 واحدة من تلك اللحظات المفصلية في مسار الجهة الشرقية.

خطاب ملكي سامي ، إعلان صريح عن بداية مرحلة جديدة عنوانها : التنمية المندمجة المستدامة لجهة الشرق في المنظومة الاقتصادية الوطنية، بعطف ملكي سامي على رعاياه الاوفياء بالجهة.

واليوم، بعد أكثر من عقدين، يحق لنا أن نفتخر بما تحقق… كما يحق لنا، بكل مسؤولية، أن نسائل أنفسنا:

هل كنا في مستوى تلك الرؤية؟ وهل أحسنّا استثمار الفرصة التاريخية؟

أولاً: خطاب 18 مارس 2003… رؤية ملكية سامية استباقية

حين ألقى جلالة الملك محمد السادس حفظه الله خطابه السامي بمدينة وجدة، كانت الجهة الشرقية تعاني من اختلالات عميقة:

– إغلاق الحدود وتأثيره على الاقتصاد المحلي

– ضعف الاستثمار الخاص

– هشاشة النسيج الصناعي

– بطالة مرتفعة في صفوف الشباب

فجاء الخطاب الملكي السامي ليضع أسس تحول استراتيجي، قائم على:

1. فك العزلة عن الجهة

من خلال مشاريع طرقية وسككية ومطارية ومينائية، تربط الشرق بباقي المملكة والعالم.

2. خلق قطب اقتصادي متكامل

يرتكز على الصناعة، اللوجستيك، والتجارة الدولية، فلاحة و السياحة .

3. الاستثمار في الإنسان

عبر التعليم العالي والتكوين، خصوصاً من خلال دعم جامعة محمد الأول وتطوير البحث العلمي.

4. تثمين الموقع الجغرافي

بوابة نحو أوروبا وإفريقيا، وليس هامشاً جغرافياً مهمشاً.

لقد كانت رؤية شاملة… تضع البنية التحتية كرافعة، لكنها تراهن أساساً على الإنسان والمبادرة.

ثانياً: ماذا تحقق؟ إنجازات تستحق التثمين

لا يمكن الحديث عن الواقع دون الاعتراف بما تحقق، ومن أبرز هذه المكتسبات:

– الطريق السيار الذي ربط الشرق بباقي المملكة

– تطوير مطاري وجدة والناظور

– تحديث الشبكة السككية، خاصة خط تاوريرت – الناظور

– تعزيز دور جامعة محمد الأول والقطب التكنولوجي

– مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، كرافعة استراتيجية كبرى

– انشاء المحطة السياحية الرائدة السعيدية

– القطب الفلاحي بركان…..

هذه الإنجازات ليست بسيطة… بل هي أساس صلب لأي نهضة اقتصادية حقيقية.

ثالثاً: أين التعثر؟ فجوات ما زالت قائمة

رغم كل ما سبق، لا تزال الجهة تعاني من بطء الإقلاع الاقتصادي، بسبب:

– ضعف الربط اللوجستي الفعلي بين المشاريع

– غياب عرض استثماري جذاب ومبسط

– بطء المساطر الإدارية

– غياب تسويق ترابي احترافي

– محدودية التنسيق بين الفاعلين

رابعاً: تعميق الاقتراحات… من أفكار إلى آليات تنفيذ

1. المنطقة الجمركية الجافة بمدينة وجدة “موقع مقترح محطة القطار السابقة” : من فكرة إلى منظومة لوجستية

ليس الهدف مجرد فضاء للتخزين، بل:

– ربط مباشر رقمي مع ميناء الناظور غرب المتوسط الذي،سيفتتح قريبا.

– اعتماد نظام تتبع الشحنات (Tracking)

– تقليص زمن التخليص الجمركي إلى أقل من 48 ساعة

– إشراك القطاع الخاص في التدبير

النتيجة: تحويل وجدة إلى نقطة عبور تجاري حقيقية، لا مجرد مدينة داخلية.

2. العقار الصناعي: من عرض جامد إلى حافز تنافسي

بدل الاكتفاء بالكراء الرمزي:

– تقسيم المناطق الصناعية إلى وحدات صغيرة جاهزة

– توفير خدمات أساسية مسبقة (كهرباء، ماء، إنترنت عالي الصبيب)

– اعتماد عقود مرنة (إمكانية التملك بعد سنوات)

– ربط الاستفادة بعدد مناصب الشغل المحدثة

النتيجة: جذب مستثمرين صغار ومتوسطين بسرعة.

3. الجامعة: من مؤسسة أكاديمية إلى محرك اقتصادي

توسيع المبادرة لتشمل:

– إحداث “عيادات مقاولاتية” داخل الكليات

– مشاريع تخرج مرتبطة بإشكاليات حقيقية للمقاولات

– حاضنات أعمال جامعية موجهة لقطاعات محددة (فلاحة، رقمية، طاقات متجددة)

النتيجة: تقليص الفجوة بين التكوين وسوق الشغل.

4. التمويل: من دعم محدود إلى نظام بيئي متكامل

تطوير منصة التمويل لتشمل:

– تقييم رقمي للمشاريع

– ضمانات جماعية لتقليل المخاطر

– إشراك الأبناك التشاركية

– مواكبة تقنية للمقاولين قبل التمويل وبعده

النتيجة: تقليل فشل المشاريع وزيادة الثقة.

5. التسويق الترابي: من غياب إلى علامة اقتصادية

الحملة الرقمية يجب أن تتحول إلى:

– هوية بصرية موحدة للجهة

– موقع إلكتروني احترافي متعدد اللغات

– قصص نجاح حقيقية لمستثمرين

– فيديوهات قصيرة موجهة للمستثمرين الدوليين

النتيجة: تغيير صورة الجهة من “منسية” إلى “فرصة واعدة”.

6. الحكامة: من مبادرات إلى ثقافة مؤسساتية

تعزيز آليات التتبع عبر:

– مؤشرات أداء واضحة لكل مشروع

– نشر البيانات بشكل دوري

– إشراك المواطنين في التقييم عبر منصات رقمية

– ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي

النتيجة: استعادة الثقة وتسريع الإنجاز.

الخلاصة: بين رؤية الأمس ومسؤولية اليوم

خطاب 18 مارس 2003 لم يكن مجرد إعلان مشاريع… بل كان دعوة مفتوحة لبناء نموذج تنموي جديد في جهة الشرق عامة و وجدة خاصة.

اليوم، لم يعد التحدي في معرفة ما يجب فعله… بل في الجرأة على التنفيذ.

لدينا:

– بنية تحتية قوية

– موقع استراتيجي

– طاقات بشرية واعدة

– ميناء كبير عالمي قريب الافتتاح

ما ينقص هو:

قرار شجاع… وتعبئة جماعية… وانتقال من القول إلى الفعل.

الرؤية الرشيدة لصاحب الجلالة حفظه الله منحتنا فرصا ثمينة للاقلاع…

فهل نملك الشجاعة لنصنع منها نجاحاً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى