وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب في عالم السوسيولوجيا : من السياسة… تركُ السياسة…

 

أيها السادة و السيدات الذين طال بهم المقام فوق كراسي السياسة حتى حسبوا المقاعد إرثًا شخصيًا، اسمعوا هذه الحقيقة كما هي، بلا مجاملة ولا مساحيق بلاغية تخفف وقعها:

من السياسة… تركُ السياسة.

هذه ليست جملة إنشائية، بل حكمٌ تفرضه الجغرافيا السياسية حين تتغير خرائط النفوذ، وتؤكده السوسيولوجيا السياسية حين يعلن المجتمع طلاقه الصامت مع نخبٍ استنفدت معناها.

لقد كنتم يومًا جزءًا من لحظة تاريخية، وربما صنعتم لأنفسكم مجدًا في زمنٍ كانت فيه الشرعية النضالية عملةً صعبة.

لكن السياسة الحديثة لا تعيش على الأرشيف، ولا تُدار بعواطف الأمس، ولا تمنح حصانة أبدية لمن كان له ماضٍ ثقيل.

العالم تبدّل، الدولة تبدّلت، المجتمع تبدّل، وأنتم – مع كامل الأسف – ما زلتم تفاوضون الحاضر بعقلية الماضي.

في المنطق الجيوسياسي، الدول التي لا تجدد نخبها تضعف، والأحزاب التي تعيد تدوير الوجوه نفسها تتحول إلى جزرٍ معزولة عن محيطها الاجتماعي.

وفي المنطق السوسيولوجي، السياسي الذي يفشل في تجديد صلته بالبنية الاجتماعية يصبح جسدًا غريبًا داخل المجتمع الذي كان يومًا يمنحه الشرعية.

أيها السياسيون الذين يرفضون مغادرة المسرح، هل تدركون أن الزمن لم يعد يجاملكم؟

جيل الألفية الثانية لا يقرأ سيركم الذاتية بقدر ما يقرأ حصيلة أفعالكم.

لا تعنيه خطابات البطولة القديمة، ولا تثيره صوركم في أرشيف النضال، إن كان الحاضر يشهد عجزكم عن إنتاج فكرة، أو تقديم حل، أو حتى فهم اللغة الجديدة التي يتحدث بها الشارع.

لقد انتهى زمن احتكار المشهد.

انتهى زمن الوصاية على الأحزاب.

انتهى زمن ترويع الشباب بثقل الأسماء والرموز.

اليوم نحن أمام مجتمع يعيد هندسة شرعيته بنفسه، ويعيد تعريف من يستحق البقاء ومن يجب أن ينسحب.

فإما أن تكونوا إضافة حقيقية، رؤيةً، حكمةً، قدرةً على قراءة التحولات الإقليمية والدولية، وفهمًا عميقًا للمجتمع الذي تغيّر؛

وإما أن تعترفوا – بشجاعة الرجال لا بعناد الكراسي – أنكم أصبحتم عالة على السياسة.

نعم، عالة.

والكلمة هنا مقصودة بحدّتها.

لأن بقاءكم دون جدوى لم يعد مجرد خطأ شخصي، بل صار عنفًا رمزيًا ضد التداول الطبيعي للنخب، وخنقًا ممنهجًا لصعود جيلٍ جديد يملك الأدوات، واللغة، والجرأة، والقدرة على التقاط نبض الشارع.

 

أنتم لا تمنعون الشباب من التقدم فقط، بل تمنعون السياسة نفسها من تجديد دمها.

تريدون من الأحزاب أن تبقى رهينة أسمائكم، ومن المؤسسات أن تدور في فلككم، ومن المجتمع أن يواصل التصفيق لرمزيةٍ لم تعد تقنع أحدًا.

 

لكن السياسة، مثل التاريخ، لا ترحم.

 

وحين تعجزون عن الانسحاب طوعًا، تبدأ هي في كتابة النهاية بواحدة من طرقها القاسية:

 

إقصاء حزبي عبر منع التزكية،

قوانين تعيد ضبط شروط اللعبة،

مذكرات منع وتهميش،

أو العقاب الشعبي الذي يسحب منكم آخر ما بقي من الهيبة.

وهنا لا تكون المشكلة قانونية فقط، بل اجتماعية أيضًا:

فأنتم في نظر المجتمع لم تعودوا فاعلين، بل أصبحتم ظاهرة شيخوخة سياسية، نموذجًا لنخبة ترفض الاعتراف بأنها تجاوزت لحظتها التاريخية.

أخطر ما في الأمر أن بعضكم ما يزال يحاول فرض نفسه بالقوة، بالجبروت، بالعلاقات، بالولاءات القديمة، أو بما يسميه “الشرعية النضالية”.

لكن الحقيقة المرة أن هذه الأدوات نفسها أصبحت دليلًا على الإفلاس السياسي، لا على القوة.

المجتمع لم يعد ذلك الجمهور الصامت.

إنه يراقب، يسخر، يحاكم، ويقصي.

وسقوط السياسي اليوم لا يبدأ من صندوق الاقتراع فقط، بل يبدأ من فقدان الهيبة داخل المخيال الجماعي، من تحوله إلى مادة تندر في المقاهي والمنصات الرقمية، ومن إحساس الناس بأنه صار عبئًا على المستقبل.

رحم الله عبدًا عرف قدر نفسه.

هي ليست حكمة أخلاقية فحسب، بل قانون في تداول النخب:

أعظم السياسيين ليس من بقي حتى النهاية، بل من عرف متى ينسحب قبل أن يتحول من رجل دولة إلى رجل يطارده الرفض الشعبي.

أيها السادة و السيدات، إن العمر قد يكون رقمًا إذا كانت العقول متقدة والرؤية متجددة.

أما إذا صار العمر مجرد غطاء لشيخوخة الفكرة، وتكلّس القرار، وانفصال الحس عن المجتمع، فهنا يصبح الانسحاب واجبًا أخلاقيًا ووطنيًا.

اتركوا المجال للشباب.

ليس لأنهم أصغر سنًا فقط، بل لأنهم أبناء زمنهم، يفهمون تحولاته، ويتنفسون لغته، ويملكون الشرعية الاجتماعية الجديدة التي فقدتموها وأنتم منشغلون بحراسة أمجادكم القديمة.

وإليكم النصيحة الأخيرة، بصيغة مستفزة كما يليق بالمقام:

ابتعدوا عن السياسة قبل أن تدوسكم هي، وتطردكم من الذاكرة الجماعية كما تطرد الأجساد المرهقة سمومها.

فمن السياسة… أحيانًا يكون أشرف قرارٍ هو ترك السياسة قبل أن تصبحوا مجرد عبءٍ على الوطن والزمن معًا و تمارس عليكم السياسة و تصبحوا اداة للسخرية و التنمر و ربما للتشفي “دعوة الشر من تلحق بالانسان”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى