ابراهيم ادريسي يكتب …وجدة على أبواب تقطيع انتخابي محتمل جديد : هل تنهي الدائرتان صدام الأسماء الثقيلة؟

لم يعد النقاش حول مستقبل التقطيع الانتخابي بمدينة وجدة مجرد فرضية سياسية عابرة، بل أضحى سؤالاً مركزياً تفرضه التحولات الديمغرافية التي أعادت رسم ثقل المدينة داخل المشهد التمثيلي الوطني. فمع تجاوز الساكنة عتبة نصف مليون نسمة، تبرز وجدة اليوم كحالة انتخابية مرشحة لإعادة النظر في هندستها الترابية، بما ينسجم مع منطق العدالة التمثيلية وتوازن الكتل الناخبة.
في هذا السياق، يفرض سيناريو الانتقال من دائرة موحدة إلى دائرتين انتخابيتين نفسه كأكثر الخيارات واقعية، ليس فقط من زاوية التدبير العددي للمقاعد الأربعة المخصصة للإقليم بمجلس النواب، بل أيضاً لما قد يترتب عنه من إعادة توزيع لمجالات النفوذ الحزبي، وتخفيف لحدة الصدامات المباشرة بين الأسماء الانتخابية الثقيلة التي ظلت لعقود تتواجه داخل مجال موحد. كما أن فرضية المرور إلى أربع دوائر فردية، رغم محدودية حظوظها، تظل كفيلة ـ إن نضج قرارها السياسي ـ بإعادة صياغة قواعد التنافس من أساسها، وفتح المجال أمام صعود نخب محلية جديدة.
سيناريو الدائرتين… الأقرب سياسياً وانتخابياً
المعطيات المتداولة ترجّح أن يكون تقسيم وجدة إلى دائرتين تشريعيتين هو الخيار الأكثر قابلية للتنزيل، بالنظر إلى ما يوفره من توازن بين الاعتبار الديمغرافي ومتطلبات التمثيلية السياسية.
هذا السيناريو من شأنه أن يُحدث تحولاً عميقاً في طبيعة التنافس الانتخابي، إذ سيخفف من حدة المواجهات المباشرة التي كانت تطبع الدائرة الموحدة، حيث كانت الأسماء الحزبية الثقيلة تجد نفسها وجهاً لوجه في معركة واحدة على المقاعد الأربعة.
أما في حالة اعتماد دائرتين، فإن عدداً من المرشحين الأقوياء قد يجدون أنفسهم متمركزين داخل دوائر تُصنف تقليدياً كمعاقل انتخابية لهم ولأحزابهم، ما سيعيد توجيه الصراع من مواجهة مفتوحة على مستوى المدينة كلها إلى تنافس محلي أكثر تركيزاً داخل نفس المقاطعة أو المجال الانتخابي القريب من قواعدهم الصلبة.
وبهذا المعنى، فإن التقسيم الجديد قد لا يُنهي التنافس بين الأسماء الكبرى، بقدر ما سيعيد توزيع ساحات الاشتباك السياسي ويمنح كل قطب حزبي فرصة لتدبير نفوذه داخل مجاله الترابي الأقرب.
ومن زاوية أخرى، قد يفتح هذا السيناريو هامشاً استراتيجياً مهماً أمام بعض الأحزاب التي تبدو أضعف حضوراً في بعض الجماعات القروية أو داخل معاقل منافسيها التقليديين، إذ سيصبح بإمكانها توجيه ثقلها الانتخابي نحو دائرة تتوفر فيها على حظوظ أوفر من حيث الخزان التصويتي، مع تجنب المجالات التي تمثل امتداداً صلباً لنفوذ أحزاب أخرى. وبهذا المعنى، لن يكون التقسيم مجرد إعادة توزيع للمقاعد، بل أيضاً إعادة هندسة لخرائط الفرص الحزبية وفق ميزان القوة المحلية.
ومن الملاحظات الاستراتيجية التي قد تبدو خفيفة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في الحسابات الانتخابية، أن نظام الدوائر الجديدة قد يفتح المجال أمام حصول حزب واحد على أكثر من مقعد على مستوى إقليم وجدة، إذا ما أحسن توزيع ثقله التنظيمي ومرشحيه بين الدوائر ذات القابلية التصويتية المتقاربة. فبدل منطق الصدام الشامل داخل دائرة موحدة، قد يتحول التقطيع إلى أداة تمنح بعض الأحزاب فرصة مضاعفة مكاسبها، متى نجحت في قراءة الخريطة المحلية بذكاء وتفادي استنزاف الأصوات داخل نفس المجال.
فرضية أربع دوائر فردية… تغيير جذري لقواعد اللعبة
ورغم أن احتمال تقسيم وجدة إلى أربع دوائر فردية، بمقعد واحد لكل دائرة يظل أقل ترجيحاً، إلا أنه يبقى وارداً من الناحية القانونية والسياسية.
هذا السيناريو، إن تم اعتماده، سيقلب المشهد رأساً على عقب، لأنه سيجعل كل مقعد رهيناً بثقل المرشح المحلي أكثر من القوة الإجمالية للحزب على صعيد المدينة، كما سيفتح المجال أمام بروز وجوه جديدة قادرة على استثمار الحضور الميداني والقرب الاجتماعي داخل الأحياء والمجالات السكنية ذات الكثافة العالية.
غير أن هذا الخيار قد يفرز، في المقابل، تنافساً حاداً بين أكبر المنافسين داخل نفس المعاقل التقليدية، خاصة إذا صادف أن تم تجميع الأحياء التي تشكل خزانات انتخابية لحزب معين داخل دائرة واحدة، وهو ما قد يجعل الصراع أكثر شراسة لا أقل.
وفي حال اعتماد صيغة الأربع دوائر الفردية، يظل من المرجح أن تُخصص إحدى الدوائر لأحواز وجدة، بما تضمّه من نسبة معتبرة من الجماعات القروية، على نحو يستعيد جزئياً منطقاً سبق اعتماده في مراحل انتخابية سابقة بدائرة وجدة. مثل هذا الاحتمال ستكون له آثار مباشرة على الحسابات الحزبية، إذ ستسعى الأحزاب التي لا تملك رصيداً انتخابياً وازناً في الأحواز إلى تجنب هذه الدائرة، مقابل تركيز جهودها على دوائر حضرية أو شبه حضرية تتلاءم أكثر مع بنيتها التنظيمية وقاعدتها الناخبة.
أما الأحزاب ذات الامتداد القروي، فستجد في هذه الدائرة مجالاً مناسباً لتعزيز فرصها وحماية مكاسبها التقليدية.
نظام المقاطعات… رافعة قوية لنسبة المشاركة
بعيداً عن البعد التشريعي، يظل الحديث عن إمكانية تنزيل نظام المقاطعات في وجدة على مستوى الانتخابات الجماعية عاملاً موازياً لا يقل أهمية.
فإذا تم اعتماد هذا النظام، فإن المدينة ستنتقل إلى تمثيلية ترابية أكثر قرباً من المواطنين، حيث سيشعر الناخب بأن صوته يرتبط مباشرة بقضايا حيه ومحيطه اليومي، بدل الذوبان في دائرة واسعة يصعب معها ربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا القرب المنتظر بين المنتخب والساكنة من شأنه أن يرفع من منسوب التعبئة السياسية ويخدم لا محالة نسبة المشاركة، لأن الناخب سيصبح أكثر اقتناعاً بجدوى التصويت حين يلمس أثراً مباشراً لاختياره على تدبير مجاله المحلي.
كما أن نظام المقاطعات سيمنح الأحزاب فرصة لإعادة بناء خطابها على أساس الرهانات المجالية الدقيقة، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة التي كانت تطغى على الدوائر الواسعة.
ملامح مرحلة سياسية جديدة في العاصمة الشرقية
المؤكد أن وجدة تقف اليوم على أعتاب مرحلة انتخابية جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوى التقليدية.
فبين سيناريو الدائرتين، باعتباره الأكثر واقعية، واحتمال المرور إلى أربع دوائر فردية، تبدو المدينة مقبلة على تحولات ستفرض على الأحزاب إعادة ترتيب أوراقها، واختيار مرشحيها وفق منطق القرب الترابي والوزن المحلي، لا فقط على أساس الحضور الرمزي أو التوازنات المركزية.
وفي جميع الأحوال، فإن أي تقطيع انتخابي جديد لن يكون مجرد إجراء تقني، بل سيكون لحظة سياسية فارقة ستحدد شكل المنافسة، وتوزيع النفوذ، وطبيعة النخب التي ستمثل وجدة تحت قبة البرلمان خلال المرحلة المقبلة.