جهات

إفطار دار المسنين بوجدة: بين الحقيقة الثابتة والتأويل المتعجل

ابراهيم ادريسي

 

في زمنٍ تُختزل فيه الوقائع أحياناً في عناوين مثيرة، طُرحت رواية تعتبر الإفطار المنظم بدار المسنين بوجدة لقاءً سياسياً مقنّعاً، لا نشاطاً إنسانياً تضامنياً. وذهبت بعض القراءات إلى تحميل الحدث أكثر مما يحتمل، فتم تقديمه كفضاء للتوظيف الحزبي، لا كمناسبة اجتماعية دأبت المؤسسة على تنظيمها منذ سنوات طويلة.

غير أن الإنصاف يقتضي إعادة ترتيب المعطيات، والتمييز بين الانطباع والواقع، وبين التأويل والوقائع الثابتة.

أولاً: الجهة المنظمة وطبيعة النشاط

الإفطار موضوع النقاش نشاط سنوي دأبت على تنظيمه الجمعية الإسلامية الخيرية بوجدة، وهي الجهة التي تُشرف على تسيير دار المسنين نفسها.

وفي هذا الإطار، فإن السيد إدريس هوار يشغل صفة رئيس الجمعية الإسلامية الخيرية، وهي صفة مدنية جمعوية قائمة الذات، تندرج ضمن المسؤولية التنظيمية والإشرافية على المؤسسة وأنشطتها الاجتماعية. حضوره إذن مرتبط بصفته الجمعوية، لا باعتبار آخر كما حاول البعض تصويره.

ويُذكر أن هذا التقليد التضامني قائم منذ عقود، وقبل دخول السيد محمد هوار المعترك السياسي أصلاً، ما يُسقط أي ربط ظرفي بين النشاط وأجندات انتخابية.

ثانياً: البعد الإنساني والاجتماعي للنشاط

يندرج الإفطار ضمن مقاربة إنسانية تضامنية تهدف إلى إدخال أجواء أسرية دافئة على نزلاء المؤسسة، وتقوية صلتهم بالمحيط المؤسساتي والجمعوي. فالرعاية الاجتماعية لا تُختزل في الإيواء والخدمات، بل تشمل الدعم النفسي والمعنوي، وهو ما يجسده هذا اللقاء السنوي.

ثالثاً: طبيعة الحضور وتعدديته

الحضور لم يكن حزبياً مغلقاً، بل شمل رؤساء المصالح الخارجية، وممثلي الأجهزة الأمنية، وفعاليات مدنية، وصحافيين يواكبون الأنشطة الاجتماعية والثقافية. كما أن عدداً من الحاضرين، بصفتهم الرسمية، ينتمون إلى حساسيات سياسية ونقابية متعددة.

ومن المسلَّم به أن الأنشطة ذات الطابع السياسي التعبوي تستلزم حضور المنخرطين والمتعاطفين تنظيمياً، وهو ما لم يكن قائماً في هذا الإفطار ذي البعد الاجتماعي المفتوح.

رابعاً: صفة والي جهة الشرق واختصاصه المؤسساتي

حضور السيد والي جهة الشرق لا يمكن فصله عن صفته القانونية والمؤسساتية، فهو رئيس اللجنة الجهوية للتنمية البشرية بجهة الشرق، ورئيس اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية بعمالة وجدة أنكاد، بحكم اختصاصه الترابي.

وبهذه الصفة، فإن دعمه ومواكبته للأنشطة ذات الصلة بالتنمية الاجتماعية يندرجان في صميم مهامه، خاصة تلك المنسجمة مع أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الرامية إلى محاربة الهشاشة وتعزيز الإدماج الاجتماعي.

وللتذكير، فإن دار المسنين بوجدة مؤسسة ذات بعد وطني، إذ قام الملك محمد السادس حفظه الله سنة 2013 بتدشين “رياض المسنين” بوجدة، في إطار مشروع اجتماعي يهدف إلى رعاية الأشخاص المسنين وفاقدي السند، وقد أُنجز بشراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وعدة قطاعات ومؤسسات عمومية.

وعليه، فإن حضور الوالي يُقرأ في سياق استمرارية مواكبة مشروع اجتماعي أُسس أصلاً في إطار برامج محاربة الهشاشة.

خامساً: استمرارية الحضور الرسمي كسُنّة إدارية

حضور الولاة المتعاقبين على جهة الشرق لهذا الإفطار السنوي تقليد إداري راسخ منذ عقود، كما درجوا كذلك على حضور أنشطة اجتماعية مماثلة، من بينها الإفطار السنوي بالسجن المحلي، في إطار مقاربة إنسانية تروم مواكبة مختلف المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والإصلاحي.

وعليه، فإن حضور الوالي الحالي لا يشكل استثناءً، بل امتداداً لنهج إداري مستمر.

خلاصة موضوعية

النشاط من تنظيم جمعية مشرفة على المؤسسة يرأسها السيد إدريس هوار بصفته الجمعوية.

تقليد سنوي سابق لأي مسار سياسي للأشخاص موضوع الجدل.

الحضور مؤسساتي ومتعدد الانتماءات، لا يحمل طابعاً حزبياً.

والي الجهة حضر بصفته رئيساً للّجان الجهوية والإقليمية للتنمية البشرية، دعماً لنشاط اجتماعي منسجم مع أهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

المؤسسة نفسها ثمرة مشروع ملكي اجتماعي يندرج في إطار محاربة الهشاشة.

إن الإنصاف يقتضي قراءة الوقائع في ضوء صفاتها القانونية والمؤسساتية، لا إخضاعها لتأويلات ظرفية. فبين الحقيقة المؤطرة بالقانون والتأويل العابر، تبقى الوقائع أبلغ حجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى