يونس المنصوري يكتب…الإعلام والسيادة الرمزية: ملاحظات في الرداءة، الجيوسياسة، وكلفة الخطاب

لم يعد الإعلام، في زمن الصراعات المركبة، مجرد وسيط محايد لنقل الوقائع، ولا فضاءً بريئًا لتبادل الآراء، بل أصبح أحد أهم ميادين الصراع على النفوذ، وعلى الشرعية، وعلى تشكيل الوعي الجمعي داخليًا وخارجيًا. فالدول، اليوم، لا تُستهدف فقط في حدودها أو اقتصادها، بل في صورتها، سرديتها، وقدرتها على إقناع العالم بعدالة قضاياها. ومن هذا المنظور، فإن مساءلة واقع الإعلام الوطني لم تعد شأنًا مهنيًا صرفًا، بل مسألة ذات أبعاد سيادية واضحة.
إن أحد أخطر أعطاب المشهد الإعلامي يتمثل في استمرار منطق الهواية داخل فضاء يفترض فيه الاحتراف، واستسهال المعالجة في قضايا معقدة تتطلب معرفة وسياقًا وانضباطًا تحليليًا. هذا الخلل لا يظهر فقط في ضعف اللغة أو فقر الأدوات، بل في تحويل القضايا الوطنية الكبرى إلى مادة استهلاكية آنية، تُختزل في الإثارة، وتُفرغ من بعدها الاستراتيجي، وتُقدَّم بخطاب محلي ضيق لا يدرك كيف يُقرأ خارج حدوده.
لقد أدى الانزلاق المتزايد نحو ما يمكن تسميته بـ اقتصاد التفاهة الإعلامية إلى تآكل المصداقية، ليس فقط لدى الرأي العام الداخلي، بل كذلك في أعين الشركاء والحلفاء المحتملين. فحين تُستثمر أزمات البسطاء بمنطق الاسترزاق الرمزي، وحين يُستبدل التحليل بالتشهير، والبحث بالانفعال، فإن الضرر يتجاوز الأخلاق المهنية ليصيب صورة الدولة نفسها، خصوصًا في فضاءات حساسة مثل العمق الإفريقي، حيث لا تُبنى العلاقات على الضجيج، بل على الاتساق والاحترام والقدرة على تقديم خطاب عقلاني طويل النفس.
في المقابل، تُظهر تجارب الخصوم الجيوسياسيين أن الإعلام يُدار لديهم باعتباره أداة استراتيجية دقيقة، لا منصة فوضوية. فهم يراقبون، يجمعون يُحللون، ثم يُعيدون تدوير كل هفوة إعلامية، وكل خطاب غير محسوب ويوجهونه بدقة نحو مراكز التأثير الدولي. وهكذا، تتحول بعض ممارساتنا الإعلامية من حيث لا تدري إلى مواد خام تُستخدم ضد مصالحنا العليا، وضد استقرارنا الرمزي، وضد قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا في فضاء دولي لا يعترف بالنوايا، بل بالنصوص والسرديات.
المشكلة، في جوهرها، لا تتعلق بحرية التعبير، ولا بتعدد الأصوات، فهذه مكتسبات لا جدال فيها، بل تتعلق بغياب تصور سيادي للإعلام. فالدول التي تدرك وزنها لا تخلط بين النقد الداخلي المشروع، الذي يُفترض أن يقوّي الدولة، وبين خطاب عبثي يُقدَّم للعالم على أنه حقيقة مكتملة، فيُستخدم لإضعاف الموقع التفاوضي، وتشويه الشرعية، وتقويض الثقة.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى خطاب تعبوي انفعالي، بل إلى إعادة تأسيس معرفية لوظيفة الصحافة. صحفيون مكوَّنون في الجيوسياسة بقدر ما هم مكوَّنون في المهنة، واعون بأن الكلمة قد تعيش خارج سياقها، وأن الصورة قد تُنتزع من نيتها، وأن ما يُقال للاستهلاك الداخلي قد يتحول، في الخارج، إلى وثيقة اتهام.
فالدفاع عن القضايا الوطنية لا يكون بالصراخ، ولا بتغذية الغضب، بل عبر الهدوء التحليلي، والدقة المفاهيمية، والقدرة على إدراج الموقف الوطني ضمن منظومة القيم الكونية: الاستقرار، السيادة، التنمية، واحترام تعقيد الوقائع. وهو ما يفسر نجاح بعض التجارب الإعلامية الدولية في تحويل الرأي التحليلي إلى أداة تأثير حقيقية، لا مجرد موقف عاطفي.
نحن، إذن، أمام مفترق طرق واضح
إما إعلام مهني، وطني، نقدي، واعٍ بدوره السيادي، قادر على مساءلة الداخل دون تقديم خدمة مجانية للخارج؛
وإما استمرار حالة الرداءة التي تجعل من الخطأ الإعلامي كلفة جيوسياسية، ومن الهشاشة المهنية ثغرة مفتوحة في جدار الدولة.
وفي هذا السياق، يمكن اختزال جوهر الإشكال في حقيقة واحدة:
الدولة التي لا تحمي سرديتها، ستُجبر يومًا على الدفاع عن نفسها بلغة خصومها؛ وحينها لا تكون المعركة متكافئة، لأن الكلمة التي تُكتب بلا وعي قد تُكلّف أكثر مما تُكلّفه هزيمة في الميدان.
في زمن تُدار فيه الصراعات بالكلمات قبل القرارات، وبالسرديات قبل الميادين لا يعود الإعلام هامشًا في معادلة القوة بل أحد عناصرها الحاسمة. والفرق بين إعلام يحمي الوطن وإعلام يُربكه لا تصنعه النوايا الحسنة، بل الوعي والمسؤولية، والانتماء الحقيقي لقضايا الناس والدولة معًا.
يونس المنصوري



