أيت الحنا يكتب…عندما ينهار النفط ويُفلس المنطق في محطات الوقود المغربية

لم يعد الغضب الشعبي من أسعار المحروقات في المغرب مجرد انطباع عابر أو مزاج عام قابل للاحتواء، بل أصبح شعوراً جماعياً راسخاً تغذيه الأرقام والوقائع. ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم انهياراً واضحاً في أسعار النفط، تواصل محطات الوقود الوطنية ممارسة طقوسها المعتادة: أسعار مرتفعة، تبريرات جاهزة، وصمت رسمي يثير أكثر من علامة استفهام.
النفط اليوم لا يحتاج إلى تأويل أو قراءة سياسية معقدة. الأرقام صارخة: البرميل ينهار، الأسواق أصيبت بتخمة بترولية، والتوقعات تؤكد استمرار الضغط النزولي على الأسعار. ومع ذلك، يصرّ الواقع المغربي على تقديم مشهد عبثي، وكأننا نعيش في سوق معزولة عن العالم، لا تربطها بالبورصات الدولية سوى طريق الارتفاع.
سوق “محررة” من جيب المواطن
منذ قرار تحرير أسعار المحروقات، رُوّج لخطاب وردي يعد بالمنافسة وخفض الأسعار وتحسين جودة الخدمات. لكن بعد سنوات من التجربة، لم يتحقق للمستهلك سوى “تحرير” واحد: تحرير هوامش أرباح شركات التوزيع من أي قيد، بينما تُرك المواطن مكشوفاً أمام تقلبات لا تخدمه إلا في اتجاه واحد.
في المغرب، ترتفع الأسعار بسرعة البرق عند أول اهتزاز دولي، لكنها تتجمد فوراً عندما ينهار البرميل. هذا السلوك لم يعد صدفة ولا نتيجة “تأخر تقني”، بل أصبح نمطاً ممنهجاً يطرح شبهة غياب المنافسة الحقيقية، ويغذي الشكوك حول تفاهمات غير معلنة على حساب القدرة الشرائية.
الأرقام تفضح الخطاب الرسمي
الخام الأمريكي يهبط إلى ما دون 57 دولاراً، وبرنت يفقد قرابة خمس قيمته منذ بداية السنة، ووكالة الطاقة الدولية تتحدث عن فائض تاريخي في المعروض. ورغم ذلك، يظل الغازوال عالقاً قرب 11 درهماً، والبنزين فوق 12.5 درهماً.
فأي منطق اقتصادي هذا؟ وأي تحرير سوق لا ينعكس إلا على أرباح قلة محظوظة؟
الحكومة بين العجز والتواطؤ
الصمت الحكومي في هذه اللحظة ليس حياداً، بل موقف سياسي واقتصادي كامل الدلالة. فإما أن الدولة عاجزة عن ضبط سوق استراتيجي يمس حياة المواطنين يومياً، أو أنها اختارت الانحياز غير المعلن لمنطق “دَعِ السوق يفعل ما يشاء”، حتى وإن كان الثمن استنزاف جيوب الأسر.
أين هي هيئات المراقبة؟ أين تقارير مجلس المنافسة؟ ولماذا يتم التعامل مع تسقيف الأرباح وكأنه “تابو” اقتصادي، في حين أن دولاً ليبرالية سبقتنا إلى تفعيل آليات الحماية عند الأزمات؟
المواطن… الخاسر الدائم
في النهاية، يدفع المواطن الفاتورة مرتين: مرة عندما يرتفع النفط، ومرة أخرى عندما ينخفض ولا يشعر بأي فرق. يدفعها في النقل، وفي أسعار السلع، وفي تآكل دخله الشهري، بينما تُسوّق له حكاية سوق حرة لا يرى من حريتها سوى القسوة.
إن استمرار هذه المفارقة لم يعد مقبولاً ولا قابلاً للتبرير. فإما مراجعة شجاعة لنموذج تحرير أسعار المحروقات، أو اعتراف صريح بأن السوق الحالية لا تخدم إلا أقلية، وتعمل ضد مبدأ العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
لأن انهيار النفط عالمياً يجب أن يكون خبراً ساراً للمواطن… لا مجرد رقم عابر في نشرات الاقتصاد.



