وجهات نظر

يونس المنصوري يكتب ….الأطلس المتوسط… ثروة من الأودية والأنهار بلا سدود

يُعدّ الأطلس المتوسط من أغنى المجالات الطبيعية بالمغرب من حيث الموارد المائية السطحية، إذ يشكل خزانًا طبيعيًا يغذي عددًا من الأحواض المائية الكبرى، ويزوّد مناطق واسعة بالمياه. غير أن هذه الوفرة الطبيعية تصطدم بواقع مقلق، يتمثل في غياب السدود الكبرى والمتوسطة داخل هذا المجال الجبلي، ما يطرح أسئلة جوهرية حول اختلالات التخطيط المائي والإنصاف المجالي.

مجال منبع… ومناطق عطشى

تنبع من مرتفعات الأطلس المتوسط أو تمر عبره شبكة مهمة من الأودية والأنهار، من بينها:

وادي أم الربيع في جزئه الأعلى

وادي سبو عبر روافده العليا

وادي كروا

وادي سرسار

وادي الشبوكة

إضافة إلى عشرات الأودية الموسمية التي تعرف صبيبًا مهمًا خلال فترات التساقطات المطرية والثلجية

ورغم هذا الغنى الهيدرولوجي، تعاني مناطق واسعة من الأطلس المتوسط، خاصة زعير وزيان ومولاي بوعزة وأيت بوخيو وسبت أيت رحو والمجالات القروية المجاورة، من هشاشة مائية واضحة، سواء على مستوى التزود بالماء الصالح للشرب أو على مستوى الفلاحة.

مياه تعبر… دون أن تُخزَّن

في كل موسم مطري، تعرف هذه الأودية ارتفاعًا في الصبيب، حيث تتجه كميات كبيرة من المياه نحو سدود تقع خارج المجال الجبلي، أو تضيع في مجاريها الطبيعية دون أي تخزين أو تثمين محلي. وفي المقابل، تعتمد الساكنة على:

الفلاحة البورية

الآبار والفرشات الجوفية التي تعرف استنزافًا متزايدًا

حلول مؤقتة لا تصمد أمام توالي سنوات الجفاف

وهو ما يخلق مفارقة صارخة بين وفرة المورد وندرة الاستفادة.

سياسة السدود… اختلال في التوزيع المجالي

منذ ستينيات القرن الماضي، اعتمد المغرب سياسة طموحة في مجال بناء السدود، مكّنته من تعزيز أمنه المائي والغذائي. غير أن توزيع هذه المنشآت ظل يميل بشكل واضح نحو:

السهول الفلاحية الكبرى

المناطق الساحلية

الأحواض ذات الكثافة السكانية العالية

في حين بقيت مناطق المنبع، وعلى رأسها الأطلس المتوسط، خارج دائرة الاستثمار الكافي في البنيات التخزينية، رغم دورها الحيوي في تغذية المنظومة المائية الوطنية.

سد ولجة بوخميس… مشروع بين-مجالي مؤجل

ضمن هذا السياق، يبرز سد ولجة بوخميس كأحد المشاريع المائية التي كان يُعوَّل عليها لتغيير المعادلة محليًا. فقد أُعلن عنه سنة 2001 كمشروع ذي طابع بين مجالي، يهدف إلى تثمين مياه وادي كروا، وخدمة مناطق من زعير وزيان، بما فيها وجميع مجالات قروية أخرى.

غير أن المشروع ظل معلقًا منذ الإعلان عنه، دون أن يرى النور، ودون تقديم توضيحات رسمية كافية حول أسباب التعثر أو مآل هذا الورش، رغم التحولات المناخية المتسارعة وتزايد الضغط على الموارد المائية.

آثار اجتماعية وفلاحية مباشرة

غياب السدود داخل الأطلس المتوسط ليست مسألة تقنية فقط، بل له آثار ملموسة على:

استقرار الساكنة القروية

الأمن الغذائي المحلي

مردودية الفلاحة

الهجرة القروية

استنزاف الموارد الجوفية

في وقت أصبحت فيه الدولة تعترف بأن المغرب دخل مرحلة الإجهاد المائي الحاد، وأطلقت برامج وطنية لتأمين التزود بالماء وتقليص الفوارق المجالية.

الحاجة إلى رؤية مائية جديدة

يرى متتبعون وخبراء في الشأن المائي أن المرحلة الحالية تفرض:

إعادة الاعتبار لمناطق المنبع داخل التخطيط المائي

الاستثمار في السدود الصغرى والمتوسطة بالمجالات الجبلية

اعتماد مقاربة مجالية عادلة في توزيع المنشآت

إشراك الجماعات الترابية والساكنة في تحديد الأولويات

يبقى الأطلس المتوسط نموذجًا لمفارقة مائية صارخة: مجال يفيض بالأودية والأنهار، لكنه يفتقر إلى السدود. وبين مياه تعبر بلا تخزين، وساكنة تعيش على هامش الاستفادة من مواردها، يظل السؤال مطروحًا حول متى تتحول ثروة الماء في الأطلس المتوسط من مورد عابر إلى رافعة تنموية حقيقية، تضمن الحق في الماء، والاستقرار، والعدالة المجالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى