سياسةمال وأعمال

240 فندقاً في مراكش؟.. أرقام الوزيرة بين الحماسة الخطابية وواقع الأرقام

حدث بريس : أبو ايوب

في تصريح أثار الكثير من الجدل، أعلنت السيدة الوزيرة خلال اجتماع حزبي للتجمع الوطني للأحرار عن افتتاح 240 فندقاً جديداً بمدينة مراكش بين عامي 2021 و2025، في معطى بدا للوهلة الأولى وكأنه إنجاز سياحي غير مسبوق. غير أن هذا الرقم، على ضخامته، سرعان ما تهاوى أمام الأرقام الرسمية والمعطيات الميدانية المتاحة.

فالواقع أن مجموع الوحدات الفندقية بمراكش، حسب المعطيات الرسمية، لا يتجاوز 244 مؤسسة بمختلف التصنيفات، منها 23 مؤسسة مغلقة، ما يعني أن عدد المؤسسات النشيطة فعلياً لا يتجاوز 221 فندقاً وإقامة سياحية. ويشمل هذا الرقم فنادق مصنفة من فئات متعددة، إلى جانب البنسيونات والموتيلات والنوادي والإقامات السياحية، وهو ما يجعل من حديث الوزيرة عن افتتاح 240 وحدة جديدة خلال أربع سنوات أمراً يدعو إلى الاستغراب، بل والتساؤل حول مصدر هذه المعطيات.

بين الأرقام والواقع: من يصدق من؟

إذا كانت مراكش تضم اليوم حوالي 244 وحدة، فهل كانت تضم أربع وحدات فقط قبل 2021، حتى نُصدق بأنه جرى افتتاح 240 أخرى في ظرف أربع سنوات؟ هذا التساؤل ليس ترفاً بل ضرورة منهجية، تفرضها أبسط قواعد التحقق الإحصائي، في وقت تتجه فيه مختلف دول العالم إلى تعزيز دقة البيانات الرسمية، لا إلى إطلاق أرقام فضفاضة أشبه بالشعارات الانتخابية.

وفي غياب أي لائحة تفصيلية بأسماء هذه الفنادق المفترضة التي تم افتتاحها، تبقى التصريحات مجرد ادعاءات غير قابلة للتحقق، خصوصاً في ظل عدم إعلان الوزارة المعنية أو المندوبية الجهوية للسياحة عن أي تحديثات رسمية تدعم هذه المزاعم.

الشفافية أولاً… لا الأرقام الانفعالية

المثير في الأمر أن هذا النوع من التصريحات لا يسيء فقط إلى صورة العمل الحكومي، بل يُربك أيضاً المهنيين والمتتبعين الذين يبنون خططهم على المعطيات الرسمية. فكيف يمكن الاستثمار في قطاع يفتقد إلى الوضوح الإحصائي؟ وكيف يمكن وضع استراتيجيات سياحية جهوية دون معرفة دقيقة بالخريطة الفندقية الحقيقية؟

بل الأخطر من ذلك، أن مثل هذه التصريحات تُفرغ النقاش العمومي من محتواه، وتحوله إلى مجرد استعراض لفظي، في حين أن المطلوب اليوم هو خطاب مسؤول، مبني على بيانات موثوقة، يعزز ثقة الرأي العام في المؤسسات، ويُرسخ ثقافة الحكامة الجيدة.

نحو قراءة واقعية: درعة–تافيلالت نموذجاً

وفي الوقت الذي تُنسب فيه أرقام خيالية لمراكش، تغيب كلياً المعطيات التفصيلية عن جهات أخرى تعاني من التهميش البنيوي، مثل درعة–تافيلالت، التي تعرف –حسب شهادات مهنية– إغلاق عدد من المؤسسات السياحية خلال الفترة نفسها. أليس من أولى أولويات الوزارة أن تفتح هذا الملف أيضاً، بما يضمن مقاربة شاملة ومتوازنة؟

خلاصة: الأرقام لا تكذب.. لكن بعض التصريحات تفعل

إن احترام المواطن لا يمر فقط عبر تحسين الخدمات، بل يبدأ أساساً من احترام عقله وذكائه. وفي هذا السياق، فإن التثبت من الأرقام قبل إعلانها، وتقديم بيانات قابلة للتحقق، يظلّان من شروط الخطاب الرسمي الجاد، البعيد عن المزايدات الخطابية، وعن حماسة الاجتماعات الحزبية.

فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالوقائع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى