وجهات نظر

يونس المنصوري يكتب ……سعاد كبوري ، سيرة الإنسان الذي صنع أثره

 

ليست كل السير الذاتية قابلة للقراءة بتمعّن. كثير منها يُختزل في تواريخ، ومناصب، وألقاب، فينسى القارئ أن خلف كل اسم ثمة تجربة، وخلف كل موقع مسؤولية، وخلف كل قرار أثرٌ ملموس. سيرة سعاد كبوري تندرج في النوع النادر من المسارات التي تُقرأ أولًا بقلوبنا قبل عيوننا، لأنها تُبنى على الإنسان قبل المنصب، وعلى الفعل قبل الصورة.

من مواليد 17 أبريل 1997، تنتمي إلى جيلٍ شابّ دخل المجال العام في زمن فقدت فيه السياسة مصداقيتها لدى كثيرين. في مولاي بوعزة، حيث التضاريس الطبيعية تعكس تحديات اجتماعية واقتصادية متراكمة، تشكّل وعيها على معنى القرب من الناس، وعلى أن المسؤولية تبدأ بالاستماع قبل أن تتحوّل إلى قرار. لم يكن الانخراط في الشأن العام خيارًا طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار إنساني يرى في السياسة وسيلة لخدمة الناس، لا للظهور.

اليوم، تشغل سعاد كبوري منصب نائبة رئيس جماعة مولاي بوعزة، وعضوية الكتابة الإقليمية لحزب الحركة الشعبية، وهي حاصلة على دبلوم في تدبير المقاولات (Gestion des Entreprises). لكن هذه العناوين، مهما كانت رسمية، لا تشرح عمق التجربة. فالتكوين المهني لم يقتصر على معرفة تقنية، بل أصبح أداة لترشيد الموارد المحدودة، وترتيب الأولويات، وتحويل الملفات المعقدة إلى قرارات واقعية، وبأثر ملموس في حياة المواطنين.

ما يميّز هذه السيرة هو الخيط الإنساني الدقيق الذي يربط كل منصب، وكل قرار، وكل مهمة، بالناس أولًا، قبل أي اعتبار سياسي أو حزبي. فالعمل المحلي لا يُقاس بالكراسي، بل بالقدرة على الاستماع، وفهم هموم الآخرين، وتحويل هذا الفهم إلى حلول عملية، حتى وإن كانت صغيرة، فهي تترك أثرًا أكبر بكثير من أي خطاب.

حضورها في مواقع القرار، في بيئة لا تزال تُقلّل من دور المرأة، يمنح السيرة بعدًا رمزيًا وواقعيًا في الوقت نفسه. فهو يثبت أن المشاركة النسائية، حين تُبنى على كفاءة واستمرارية ووعي إنساني، لا تكون مجرد رمز، بل قوة فاعلة تُحدث تغييرًا تدريجيًا ومستدامًا. كما أن تواجدها في الكتابة الإقليمية للحزب أتاح لها نقل هموم المجتمع القروي من الهامش إلى صلب القرار السياسي، ما عزز منطق التنسيق بين المحلي والإقليمي، ورفع من مستوى الفعل العام.

غير أن هذه السيرة لا تُروى على أنها قصة نجاح بلا تحديات. فالمسؤولية الحقيقية تُقاس بالقدرة على الموازنة بين ما هو ممكن وما هو مطلوب، بين الطموح والموارد المحدودة، بين الرغبة في التغيير وإكراهات الواقع. وفي هذا الامتحان اليومي، يظهر المعدن الحقيقي لأي مسؤول، وقدرتها على الصمود دون أن تفقد البعد الإنساني، أو تنحرف عن جوهر الرسالة: خدمة الناس.

سعاد كبوري لا تقدم نفسها كنموذج مثالي، بل كمثال حي على أن المسار الإنساني والسياسي يمكن أن يتشابك، ويولد أثرًا حقيقيًا، حين يتحرك بالصدق والمعرفة والمسؤولية. في زمن تُصنع فيه الصور أسرع من المعاني، وتُستهلك فيه السير الذاتية مثل الأخبار العابرة، تظل هذه السيرة جديرة بالقراءة، لأنها تعيدنا إلى جوهر الفعل العام: أن يكون الإنسان، قبل كل شيء، الغاية.

هي سيرة لا تُختم بانتهاء المنصب، بل تتواصل في كل خطوة، في كل قرار، في كل صوت استُمع، وفي كل أثر تركته على واقع من حولها. إنها سيرة الإنسان قبل السياسة، والفعل قبل الكرسي، والإنصات قبل الخطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى