مهرجان علوم الشرق في دورته الثالثة عشرة: وجدة تكرّس موقعها كحاضنة للعلم والابتكار في أفق المستقبل

ابراهيم ادريسي
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تحتضن مدينة وجدة، خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 14 فبراير الجاري، فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمهرجان علوم الشرق، الذي تنظمه مؤسسة عمر بن عبد العزيز، في موعد علمي سنوي بات يشكّل محطة بارزة في المشهد الثقافي والعلمي بجهة الشرق، ورافعة حقيقية لترسيخ ثقافة العلم والانفتاح على رهانات المستقبل.
ويُقام المهرجان هذه السنة تحت شعار “العلم للجميع وبه نبني الغد”، في دلالة واضحة على الرهان الاستراتيجي الذي يضع المعرفة العلمية في صلب التنمية البشرية والمجتمعية، باعتبارها مدخلاً أساسياً لإعداد أجيال قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والرقمنة والابتكار.

وتكتسي هذه الدورة طابعًا احتفاليًا خاصًا، لتزامنها مع الذكرى العاشرة لتأسيس دار العلوم لجهة الشرق، التي تحوّلت، خلال عقد من الزمن، إلى فضاء مرجعي لتبسيط العلوم، وتقريب البحث العلمي من المتعلمين وعموم المواطنين، عبر مقاربات بيداغوجية تفاعلية تقوم على التعلم بالممارسة وتنمية الحس النقدي وروح الإبداع.
ويأتي تنظيم هذه الدورة في انسجام تام مع المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تعرفها جهة الشرق، لاسيما في إطار الشراكة المغربية-الفرنسية بين جهة الشرق وجهة Grand Est، وبدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، في أفق إعداد الجهة لمستقبل 2045، من خلال تعزيز التخطيط الحضري الذكي وتحقيق انتقال رقمي ناجح ومستدام.
وعلى المستوى البرنامجي، يتميّز مهرجان علوم الشرق بانتشاره الميداني الواسع داخل المؤسسات التعليمية بمدينة وجدة، حيث تحتضن خمس إعداديات عمومية تنظيم ما مجموعه 125 ورشة علمية تطبيقية، لفائدة أزيد من 9300 تلميذة وتلميذ، في مجالات علمية متعددة، تروم تنمية الفضول العلمي، وترسيخ ثقافة التفكير النقدي، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى المعرفة العلمية.
وبالتوازي مع ذلك، تشكّل “قرية المهرجان”، المقامة بفضاء ثانوية عمر بن عبد العزيز، القلب النابض لهذه التظاهرة، من خلال برمجة 80 ورشة علمية وتفاعلية، يُرتقب أن تستقطب نحو 7000 زائر من التلاميذ والطلبة وعموم المهتمين.
وتغطي هذه الورشات مجالات حيوية تشمل التحول الرقمي والحضري، الفيزياء، علم الفلك، الصحة، والشرطة العلمية، إلى جانب ورشات خاصة بمتحف الآثار، يؤطرها خبراء وأطر علمية من مؤسسات ومعاهد ومدارس عليا وطنية.
كما تعرف هذه الدورة مشاركة وازنة لمؤسسات عمومية وطنية، من ضمنها المديرية العامة للأمن الوطني، والوكالة الرقمية للتنمية، والشركة الجهوية متعددة الخدمات الشرق، بما يعكس انخراط مختلف الفاعلين المؤسساتيين في دعم ثقافة العلم وربطها بالقضايا المجتمعية الراهنة.
وفي سياق مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، يولي المهرجان اهتمامًا خاصًا لمحور الرقمنة والأمن المعلوماتي، من خلال تنظيم أزيد من 100 ورشة علمية وتكوينية حول التكنولوجيا الحديثة والابتكار الرقمي، إلى جانب ورشات تحسيسية حول محاربة الجريمة الإلكترونية لفائدة التلاميذ وأسرهم، فضلًا عن احتضان مدينة وجدة لمسابقة وطنية كبرى في الأمن السيبراني “Cyber Drill”، بمشاركة نخبة من الفرق الشابة الموهوبة.
ولا تقتصر أهداف مهرجان علوم الشرق على البعد التكويني فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تعزيز دينامية التكوين العلمي الجهوي، ودعم الأندية العلمية بالمؤسسات التعليمية، وتسليط الضوء على تجربة القوافل العلمية كآلية ناجعة لتقريب العلوم من المناطق والمؤسسات ذات الخصوصيات المختلفة.
وتُختتم فعاليات هذه الدورة بتنظيم أمسية ختامية كبرى بمسرح محمد السادس بوجدة، تُخصص لتتويج المشاركين والاحتفاء بالشركاء والداعمين، في لحظة رمزية تختزل روح المهرجان القائمة على الاعتراف، والشراكة، والإيمان بدور العلم في بناء المستقبل.
وبذلك، يواصل مهرجان علوم الشرق ترسيخ مكانته كتظاهرة علمية رائدة، تجعل من مدينة وجدة منصة مفتوحة للمعرفة، ومختبرًا حيويًا لإنتاج الأفكار، وجسرًا يربط المدرسة بالمجتمع، والعلم بالتنمية، في أفق إعداد جيل مغربي واعٍ، مبدع، وقادر على مواجهة تحديات الغد بثقة واقتدار.



