من الظل إلى العلن: كيف أطلقت باريس عبر France 2 معركة فضح النظام الجزائري؟

ابراهيم ادريسي
يوم الخميس 22 يناير الحالي ، بثّت القناة الفرنسية الثانية France 2 وثائقي أثار جدلاً واسعاً بين المتابعين والمحللين السياسيين، خصوصاً في الجالية المغاربية بفرنسا. هذا الوثائقي لم يكن مجرد تحقيق صحفي تقليدي، بل جاء كخطوة مدروسة تهدف إلى كشف الملفات الثقيلة للنظام الجزائري أمام الرأي العام الفرنسي والعالمي. من التجسس إلى محاولات الاختطاف، مروراً بتسجيلات من داخل القنصلية الجزائرية، بدا واضحاً أن باريس لم تعد تكتفي بالتعامل مع الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل قررت الانتقال إلى الفضاء العلني، ونقل المواجهة إلى الإعلام والرأي العام.
أولاً: توقيت محسوب… ورسالة موجهة
البرنامج جاء بعد أشهر من تصاعد التوتر بين باريس والجزائر، سواء على مستوى الحملات الإعلامية، الأزمات الدبلوماسية، أو الفشل في إدارة ملفات حساسة كملف الصحراء. بثّ الوثائقي على قناة عمومية، وتحريك ملفات استخباراتية وأمنية معقدة، يوحي بأن فرنسا تستخدم الإعلام العمومي كأداة ضغط استراتيجية، ويؤكد أنها لم تعد تعتبر نفسها رهينة للعلاقة التقليدية مع الجزائر.
ثانياً: من قضايا فردية إلى تهديد منهجي
التركيز على “جاسوس بيرسي” ومحاولة اختطاف معارض جزائري في باريس، والتسجيلات الصوتية داخل القنصلية، لم يُقدّم كحوادث منفصلة، بل ضمن سردية موحّدة تظهر الجزائر كدولة تمارس نشاطاً استخباراتياً عدائياً فوق التراب الفرنسي. هذه الرسالة السياسية واضحة: الانتقال من صورة الشريك الصعب إلى صورة النظام الذي يهدد السيادة الفرنسية، وهو ما يبرّر أي خطوات أكثر صرامة على المستوى الأمني والسياسي.
ثالثاً: النظام والعدو الخارجي… أداة حكم
الوثائقي أبرز كيف يستخدم النظام الجزائري خطاب العداء الخارجي (فرنسا، المغرب، المؤامرة) كأداة للحفاظ على شرعيته الداخلية. العداء ليس مجرد رد فعل على أحداث خارجية، بل جزء من آلية التحكم في الرأي العام الداخلي، وتحويل الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والسياسية. من هذا المنظور، المشكلة الفرنسية ليست في تصريحات متشنجة، بل في هيكل النظام نفسه.
رابعاً: المغرب كبديل استراتيجي
حضور المغرب في الوثائقي لم يكن ثانوياً. الأرقام، الاستطلاعات، والمقارنات بين صورة المغرب والجزائر في الرأي العام الفرنسي، تؤكد تحوّل فرنسا في التموضع الإقليمي: من الاعتماد على الجزائر كشريك تاريخي إلى الرهان على المغرب كشريك “عقلاني وموثوق”، قابل للاستثمار السياسي والأمني. هذه الرسالة وضعت الجزائر أمام حقيقة جديدة: باريس يمكنها إعادة ترتيب تحالفاتها في المنطقة بدونها.
خامساً: نهاية الدفء وبداية الحرب الباردة الناعمة
الحديث عن “نهاية شهر العسل” بين ماكرون وتبون ليس مجازاً إعلامياً، بل توصيف دقيق للتحول في العلاقة: لا قطيعة رسمية، لكن ضغط متراكم عبر الإعلام، الأمن، القضاء، وتحالفات إقليمية، وهو أخطر أنواع الصراع لأنه طويل النفس ويُدار في مجال الصورة والشرعية.
فرنسا ترفع السقف… ومنطق التسريب يدخل المعركة
وثائقي France 2 يؤكد أن فرنسا لم تعد في موقع الدفاع أو التبرير، بل دخلت مرحلة إظهار الحزم العلني ضد النظام الجزائري. التسريبات الموجهة للمعلومات الحساسة، الملفات المحرجة، والتسجيلات الصوتية، ليست مجرّد فضائح صحفية، بل أداة استراتيجية لتقييد حركة الجزائر، تفكيك صورتها، وإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
هذا ليس مجرد خلاف دبلوماسي، بل مرحلة جديدة من المواجهة الناعمة المفتوحة، حيث الإعلام والرأي العام أصبحا ساحة لمعركة استراتيجية طويلة الأمد. والسؤال الأهم: هل لدى الجزائر اليوم استراتيجية دولة للتعامل مع هذا التحول، أم ستبقى مجرد ردود فعل؟



