دوليات

بين حكمة الدولة وانفعال “الهواة”: كيف أعاد العفو الملكي الانضباط للعلاقات المغربية السنغالية؟

بقلم: سعيد بوطبسيل

 

تربط السنغال بالمغرب علاقات تاريخية عميقة؛ دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية، ظلت على الدوام نموذجاً فريداً للتقارب والاحترام المتبادل بين البلدين والشعبين الشقيقين. بيد أن أحداث نهاية “الكان” الأخيرة، والتي كان المغرب حريصاً على إبقائها داخل المستطيل الرياضي الأخضر مهما بلغت درجة التوتر والانفعال الجماهيري، استغلها عثمان سونكو لتبني خطاب وسلوك لا يليقان برجل دولة، ولا بمسؤول رفيع في بلد صديق.
فالتهجم على الوحدة الترابية للمغرب كشف عن نزعة شعبوية خطيرة، حاولت استثمار لحظة رياضية مشحونة للمزايدة السياسية. وقد تجسد هذا السقوط الدبلوماسي حينما تحدث سونكو في أحد تصريحاته عن “55 دولة إفريقية”، متبنياً عن عمد أطروحة خصوم الوحدة الترابية من خلال إدراج الكيان الوهمي ضمن التعداد، في موقف شاذ يناقض التوجه التاريخي الراسخ للدولة السنغالية الداعم بثبات لمغربية الصحراء.
وكان حرياً بمسؤول في هذا المستوى أن يميز بين ندية التنافس الرياضي والمواقف السيادية للدول؛ غير أن اندفاعه جاء خارجاً عن تقاليد الدبلوماسية السنغالية العريقة المعروفة بالاتزان، ليتحول خطابه إلى رد فعل انفعالي يفتقد لـ”بروفايل” رجال الدولة الكبار الذين يبنون العلاقات على الثقة والتنسيق، لا على إشعال الحرائق الضيقة. هذا التباين في المواقف يؤكد أن العلاقات المغربية الإفريقية مبنية على مؤسسات وروابط روحية وشعبية متجذرة، لا تتأثر بظواهر سياسية عابرة أو بحسابات قيادات لم تنضج بعد في مدرسة تدبير الشأن العام والدبلوماسية الدولية.
وفي خضم هذا التوتر، والجدل الداخلي بالسنغال الذي انتهى بإقالة الرئيس السنغالي للحكومة ولوزيره الأول على خلفية خلافات مالية وسياسية، جاء الرد المغربي بعد 24 ساعة فقط ليحمل أسلوباً مغايراً تماماً، تجسد في أصالة “عقل الدولة”. فقد أصدر جلالة الملك محمد السادس عفوًا كريماً عن المشجعين السنغاليين، في خطوة حملت أبعاداً سياسية وإنسانية عميقة، وشكلت “بالون أوكسجين” حقيقي للرئيس فاي، الذي سارع للتعبير عن امتنانه وشكره لجلالة الملك عبر تغريدة رسمية.
أما سونكو، فقد تلقى بالنتيجة درساً بليغاً في “فقه الدولة”، وفي الفارق الشاسع بين من يوظف الأزمات العابرة لتأجيج الخطاب الضيق، ومن يديرها بحكمة العواصم التاريخية ومنطق العلاقات الاستراتيجية الدائمة بين الشعوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى