سياسة

قيادات سياسية وأكاديمية تناقش أزمة الثقة ومستقبل العمل الحزبي في المغرب

حدث بريس- سلا

 

 

أجمع قادة سياسيون وأكاديميون على أن المشهد السياسي المغربي عرف تحولات عميقة، بفعل بروز عوامل جديدة وتراكم أعطاب بنيوية أثرت سلبًا في دور مؤسسات الوساطة، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، في تنظيم العلاقة بين المواطنين والسلطة التنفيذية ومراكز صناعة القرار العمومي.

وأكد المتدخلون أن الثورة الرقمية فرضت نفسها كفاعل مؤثر في تشكيل النقاش العمومي، وأصبحت تنافس الأحزاب في التأطير وصناعة وتوجيه الرأي العام، وهو ما يفرض على هذه الأخيرة مراجعة أدوارها وأساليب اشتغالها.

جاء ذلك خلال ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، يوم الخميس 2 يوليوز 2026 بمدينة سلا، تحت عنوان: “السياسة والمجتمع في المغرب المتحول… أي تعاقد جديد للثقة والمشاركة؟”.

وشدد المشاركون على أن استعادة الأحزاب لأدوارها رهين بقدرتها على تجديد وعصرنة أدوات تواصلها الداخلي والخارجي، والانفتاح على فئة الشباب بلغة تستوعب تطلعاتهم وتواكب طموحاتهم، مع تعزيز دورها في التأطير بما يخدم المصلحة العليا للبلاد ويحافظ على قيمها وهويتها. كما أكدوا أن المرحلة تستدعي امتلاك الفاعل السياسي، بمختلف مرجعياته، خطابًا يتمتع بالمصداقية ويبتعد عن النزعات الانتهازية والمصالح الضيقة.

وفي هذا السياق، أكد عبد الله البقالي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، والنائب الأول لرئيس اتحاد الصحفيين العرب، والرئيس السابق للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، أن الأحزاب السياسية، ولا سيما الوطنية منها، تعاني أعطابًا بنيوية تعود إلى أسباب ذاتية وموضوعية، أسهمت في إضعافها. وأوضح أن من بين هذه الأسباب تقوية بعض الإطارات الحزبية القريبة من الإدارة، إلى جانب التأثير المتزايد للثورة الرقمية التي أصبحت منافسًا قويًا للأحزاب في توجيه الرأي العام، فضلًا عن شيوع التصويت القائم على المصالح بدل الاختيار على أساس البرامج والمنجزات. واعتبر أن تجاوز هذه الأزمة المركبة يقتضي معالجة أسبابها البنيوية.

من جانبه، أكد عبد العالي حامي الدين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية وأستاذ التعليم العالي، أنه غير مقتنع بالدعوات إلى مقاطعة الانتخابات أو العزوف عن المشاركة السياسية، معتبرًا أنها لا تسهم في تغيير الأوضاع أو تعزيز البناء الديمقراطي ومحاربة الفساد. كما انتقد تحول بعض الأحزاب من مؤسسات للتأطير السياسي إلى “تجمعات للمصالح”، مستحضرًا مفهوم “حزب الكارتيل”، ومعتبرًا أن تضارب المصالح الاقتصادية مع المسؤوليات السياسية أسهم في التشكيك في العمل الحزبي وتحويله، في بعض الحالات، إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

وأضاف أن استعادة الثقة في العمل السياسي تقتضي بناء برامج حزبية تستند إلى المرجعيات والأفكار، مع ضرورة التمييز بين الأحزاب التي تمارس التأطير السياسي الحقيقي وتلك التي تحولت إلى أدوات انتخابية موسمية، مع الإقرار بأن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات سياسية يتحمل مسؤوليتها أكثر من طرف.

أما رشيد روكبان، الأكاديمي وعضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، فقد ركز على تأثير وسائل التواصل الرقمي، داعيًا إلى وضع ضوابط وقواعد تضمن استعمالًا آمنًا لهذه الوسائط، بما يحول دون الاختراقات ونشر ثقافة التفاهة، ويعزز ما وصفه بالسيادة الرقمية، إلى جانب مواجهة المد النيوليبرالي الذي يستفيد، بحسب تعبيره، من تراجع الثقة في العمل السياسي وفي القيم الأصيلة للمجتمع.

كما انتقد ما سماه بـ”الدكاكين الانتخابية”، معتبرًا أن بعض الأحزاب لا تنشط إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تركز على استقطاب المرشحين القادرين على الفوز بالمقاعد، دون حضور سياسي أو تنظيمي فعلي خلال الفترات الفاصلة بين الانتخابات. وشدد على أن المشاركة السياسية والتصويت عن قناعة يظلان الخيار الأمثل، بعيدًا عن منطق شراء الأصوات.

من جهته، اعتبر سمير بلفقيه، أستاذ التعليم العالي وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات مجتمعية عميقة شملت الجوانب الديمغرافية والاجتماعية والرقمية والقيمية، حيث برزت نزعة متزايدة نحو الاستهلاك وتعزيز البعد المادي والفردي في العلاقات الاجتماعية، وهو ما انعكس على مؤسسات التنشئة والوساطة، فلم تعد الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات تحظى بالمكانة التي كانت تتمتع بها لدى المواطنين.

وفي المقابل، دافع بلفقيه عن كل المبادرات الرامية إلى تقوية دور الأحزاب، سواء كانت في الأغلبية أو المعارضة، رافضًا كل أشكال تبخيس العمل الحزبي، ومؤكدًا أن المرحلة تستوجب تخليق الممارسة السياسية، وتعزيز الكفاءة الرقمية، وتوظيفها في تطوير التواصل مع المواطنين واستعادة الثقة في المؤسسات السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى