مجتمع

عيد الأضحى الذي تحوّل إلى مأساة.. حين مزّق المقبور هواري بومدين آلاف الأسر المغربية سنة 1975

 

ابراهيم ادريسي

في مثل هذه الأيام الأليمة من شهر ديسمبر سنة 1975، وبينما كانت مآذن المغرب والعالم الإسلامي تتعالى بالتكبيرات احتفالاً بعيد الأضححى المبارك، كانت خلف جدران السلطة في الجزائر تُحاك واحدة من أكثر القرارات قسوة في تاريخ المنطقة المغاربية. ففي الوقت الذي كان فيه الشعب المغربي يعيش فرحة وطنية كبرى بعد النجاح التاريخي للمسيرة الخضراء، اختار الرئيس الجزائري المقبور هواري بومدين أن يواجه ذلك الحدث بقرار انتقامي دفع ثمنه مئات الآلاف من الأبرياء.

فبعد أسابيع قليلة فقط من المسيرة الخضراء المظفرة التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله يوم السادس من نوفمبر 1975، أقدم النظام الجزائري على تنفيذ عملية طرد جماعي شملت أزيد من 350 ألف مغربي ومغربية كانوا يقيمون فوق الأراضي الجزائرية منذ سنوات طويلة.

وقد اعتبر كثيرون حينها أن اختيار هذا الرقم لم يكن بريئاً، بل رسالة سياسية مباشرة في مواجهة 350 ألف متطوع مغربي شاركوا سلمياً في تحرير الصحراء المغربية.

لم يكن هؤلاء المطرودون خصوماً سياسيين ولا عناصر عسكرية، بل كانوا عمالاً وفلاحين وتجاراً وحرفيين ساهموا في بناء الاقتصاد الجزائري، بل إن عدداً منهم شارك إلى جانب الجزائريين في مقاومة الاستعمار الفرنسي. غير أن القرار جاء صادماً ومهيناً؛ اقتُلعت عائلات من جذورها في أيام العيد، وصودرت ممتلكاتها، وطُردت نحو الحدود المغربية وسط برد قارس، دون مهلة لجمع الأمتعة أو استرجاع الحقوق.

وكان المشهد الأكثر مأساوية هو تفريق الأسر المختلطة بين مغاربة وجزائريين. رجال أُبعدوا عن زوجاتهم، وأمهات حُرمن من أبنائهن، وأطفال وجدوا أنفسهم فجأة ضحايا لقرار سياسي لا يراعي حرمة الأسرة ولا قدسية العيد. تحولت لحظات التكبير والفرح إلى دموع وفراق وصدمة إنسانية لا تزال محفورة في ذاكرة آلاف العائلات إلى اليوم.

لقد شكّلت تلك العملية واحدة من أكبر حملات التهجير القسري في تاريخ المغرب العربي الحديث، ومع ذلك ظل الملف غارقاً في صمت رسمي جزائري طويل؛ فلا اعتذار قُدم، ولا اعتراف بالمأساة صدر، ولا تعويض أُعيد لمن سُلبت ممتلكاتهم وشُتّتت أسرهم.

واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الأحداث، ما تزال ذاكرة المغاربة تستحضر “المسيرة السوداء” باعتبارها جرحاً إنسانياً غائراً، في مقابل بقاء المسيرة الخضراء رمزاً وطنياً خالداً جسّد عبقرية المغرب في استرجاع صحرائه بالوحدة والسلم والتلاحم الشعبي.

رحم الله الملك الراحل الحسن الثاني، وحفظ المغرب وشعبه من كل محاولات التفرقة والعداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى