وجهات نظر

سعيد بوطبسيل يكتب: الأمن الطاقي في المغرب، بين محدودية المخزون الاستراتيجي وغياب التكرير الداخلي: من الإطار القانوني إلى واقع السوق

 

 

يشكل المخزون الاستراتيجي من المحروقات إحدى الركائز الأساسية للأمن الطاقي للدول، باعتباره احتياطيا منظما يمكن تعبئته لضمان استمرارية الإمدادات في مختلف الظروف، سواء في سياقات الاستقرار الاقتصادي أو في حالات التوترات الدولية والنزاعات. وتبرز أهميته من خلال وظائفه المتعددة، حيث يمكن الدولة من امتصاص الصدمات الناتجة عن تقلبات الأسعار الدولية، ويدعم قدرتها على التدخل في السوق عند الضرورة، كما يوفر هامشا زمنيا حاسما في حال انقطاع الإمدادات، وهو ما يجعله أداة سيادية ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على حماية أمنها الاقتصادي والاجتماعي.

في هذا الإطار، وضع المشرع المغربي منظومة قانونية تلزم الفاعلين في قطاع المحروقات بتوفير مخزون استراتيجي يعادل ستين يوما من الاستهلاك الوطني، وهو مستوى يعكس إدراكا لأهمية الوقاية من المخاطر الخارجية، خاصة في ظل اعتماد المغرب شبه الكلي على استيراد المواد الطاقية. غير أن تحليل الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين المقتضى القانوني ومستوى التطبيق، حيث لا تتجاوز القدرة التخزينية الحالية، في غياب مصفاة سامير، حوالي مليون وخمسمائة ألف طن، وهو ما يغطي في أفضل الحالات ما بين ثلاثين وخمسة وأربعين يوما من الاستهلاك، أي بنسبة تتراوح بين خمسين وخمسة وسبعين في المئة من الحد القانوني المطلوب، وهو ما يطرح إشكالية تنفيذ النص القانوني في علاقته بالبنية التحتية المتاحة.

وترتبط هذه الوضعية بشكل مباشر بتوقف شركة لاسامير سنة 2015، وهو الحدث الذي لم يحسم فيه إلى حدود اليوم بشكل نهائي، لا من حيث إعادة تشغيل المصفاة ولا من حيث تصفية أصولها في إطار رؤية واضحة للأمن الطاقي. وقد ترتب عن هذا الوضع فقدان المغرب لوظيفة مزدوجة كانت تؤديها هذه المنشأة، لا تقتصر فقط على التكرير، بل تشمل أيضا التخزين الاستراتيجي، حيث كانت توفر لوحدها سعة تقارب مليوني متر مكعب، بما يمثل حوالي نصف القدرة الوطنية.

غير أن الأثر الأعمق لتوقف المصفاة لا يقتصر على الجانب التخزيني، بل يمتد إلى طبيعة التزود نفسها. فالمغرب، الذي كان يستورد النفط الخام ويقوم بتكريره داخليا، أصبح يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المحروقات المكررة (gasoil, essence, fuel). وإذا كان هذا الخيار قد اتخذ في البداية كحل ظرفي لتأمين الإمدادات، فإنه تحول تدريجيا إلى نمط بنيوي للتزود، وهو ما ترتب عنه ارتفاع في الكلفة الإجمالية، بالنظر إلى أن أسعار المنتجات المكررة في السوق الدولية تتضمن هامش التكرير وكلفة التحويل وهوامش ربح إضافية، مقارنة باستيراد النفط الخام وتكريره محليا

وبالتالي، فإن غياب الحسم في ملف لاسامير لم يؤد فقط إلى تقليص القدرة التخزينية، بل ساهم أيضا في تكريس نموذج طاقي أكثر كلفة وأقل سيادة، حيث فقد المغرب إمكانية التحكم في جزء من سلسلة القيمة، وأصبح أكثر تعرضا لتقلبات الأسواق الدولية للمنتجات النهائية، بدل المواد الأولية. كما أن توقف استغلال خزانات المصفاة في تأمين جزء مهم من المخزون الاستراتيجي أدى إلى اختلال إضافي، إذ لم تعد هذه المنشأة تساهم في تغطية ما يقارب نصف الاحتياطي الوطني كما كان في السابق.

ورغم أن الإمكانيات التقنية لهذه المنشأة لا تزال قائمة، فإن استغلالها يظل محدودا بشكل لافت، إذ لا تتجاوز الكميات المخزنة حاليا حوالي ثمانين ألف متر مكعب من أصل سعة إجمالية تناهز مليوني متر مكعب، أي ما يعادل أربعة في المئة فقط، وهو معدل ضعيف يعكس وجود فجوة بين الإمكانيات المتاحة ومستوى تفعيلها. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة تدبير هذا الأصل الاستراتيجي، خاصة في ظل استمرار العجز عن بلوغ الحد القانوني للمخزون.

وفي هذا السياق، تندرج التصريحات الرسمية التي تفيد باستفادة بعض الشركات من خزانات سامير، غير أن القراءة التحليلية للمعطيات تشير إلى أن هذه الاستفادة تظل محدودة، سواء بسبب الإكراهات القانونية المرتبطة بالتصفية القضائية، أو بسبب غياب رؤية استراتيجية واضحة لإدماج هذه البنية ضمن السياسة الطاقية الوطنية. وهو ما يعكس مفارقة واضحة بين الحاجة الملحة إلى تعزيز المخزون الاستراتيجي، وبين ضعف استغلال إحدى أهم البنيات المتاحة لتحقيق ذلك.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل سياق دولي يتسم بتقلبات حادة في أسواق الطاقة، وبتزايد المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، حيث أظهرت الأزمات الأخيرة أن الدول التي تتوفر على قدرات تكرير وتخزين متكاملة تتمتع بهامش سيادي أكبر، سواء على مستوى التحكم في الأسعار أو على مستوى تأمين التزود. وفي المقابل، تواجه الدول التي تعتمد فقط على الاستيراد النهائي ضغوطا مضاعفة، تجمع بين كلفة أعلى وهشاشة أكبر في مواجهة الأزمات.

وفي هذا الإطار، فإن المغرب، بقدرته التخزينية الحالية التي لا تتجاوز في أفضل الأحوال خمسة وأربعين يوما، وباعتماده شبه الكلي على استيراد المنتجات المكررة، يجد نفسه أمام تحد مزدوج: تعزيز البنية التخزينية من جهة، وإعادة التفكير في موقعه ضمن سلسلة القيمة الطاقية من جهة أخرى. وهو ما يستدعي إما تسوية نهائية لملف لاسامير في اتجاه إعادة توظيفها ضمن استراتيجية وطنية، أو تعويضها بمنظومة متكاملة تجمع بين التخزين والتكرير.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تسريع إنجاز الخزانات الاستراتيجية بنفس الدينامية التي ميزت إنجاز المشاريع الكبرى في مجالات البنية التحتية، مع العمل في الآن ذاته على بلورة رؤية متكاملة للأمن الطاقي، لا تقتصر على التخزين فقط، بل تشمل أيضا شروط التزود، وتوازن السوق، ومستوى السيادة الاقتصادية.

وفي المحصلة، يتبين أن إشكالية المخزون الاستراتيجي في المغرب لا يمكن فصلها عن ملف لاسامير ولا عن طبيعة النموذج الطاقي المعتمد، حيث أدى غياب الحسم في هذا الملف إلى تداخل ثلاث اختلالات كبرى: ضعف القدرة التخزينية، وارتفاع كلفة التزود، وتراجع هامش السيادة الطاقية. ويظل الرهان الأساسي هو الانتقال من تدبير ظرفي قائم على الاستيراد، إلى رؤية استراتيجية مندمجة، قادرة على تحقيق الأمن الطاقي في مختلف الظروف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى