المتقاعد وعيد الاضحى: كلفة الشعيرة في مواجهة معاش لا يكفي حتى لمتطلبات العيش

سعيد بوطبسيل
عيد الاضحى مناسبة دينية واجتماعية متميزة عند المغاربة، يحتفي بها الصغار والكبار، وترتبط في الوعي الجماعي بطقوس الفرحة وتقاسم اللحظة العائلية. وتمثل هذه المناسبة لدى العديد من الأسر فرصة سنوية لتذوق مختلف الاطباق والأكلات بما ينسجم مع رمزية العيد. غير أن هذه الصورة لا تعكس واقع جميع المغاربة، إذ إن فئات واسعة لا يتوفر لها استهلاك اللحم بشكل منتظم خلال السنة، مما يجعل العيد لحظة انتظار استثنائية تحمل بعدا اقتصاديا واجتماعيا يتجاوز البعد الاحتفالي. وبالتالي يصير اختبارا سنويا حقيقيا لقدرة فئات واسعة من المجتمع على الحفاظ على ممارسة عقيدتها في ظل اكراهات اقتصادية متزايدة. وفي مقدمة هذه الفئات، يقف المتقاعد الذي يجد نفسه كل سنة امام معادلة صعبة: دخل محدود وثابت في مقابل نفقات موسمية مرتفعة ومتغيرة.
تشير المعطيات الواقعية الى ان شريحة كبيرة من المتقاعدين لا يصل معاشها الى مستوى الحد الادنى للاجر، بينما يظل سقف معاشات ص.و.ض.ج 4200 درهم. هذا الاختلال البنيوي بين الاجور خلال الحياة المهنية والمعاش بعد الاحالة على التقاعد يطرح سؤال العدالة الاجتماعية في ابسط تجلياتها: كيف يمكن لدخل يقل عن او يوازي الحد الادنى ان يواكب متطلبات العيش الكريم، ناهيك عن تكاليف مناسبة دينية ذات حمولة رمزية واجتماعية قوية كعيد الاضحى؟
الاشكال لا يقف عند حدود ضعف الدخل، بل يتفاقم بفعل دينامية السوق، حيث تعرف اسعار الاضاحي ارتفاعا سنويا متواصلا، تغذيه عوامل موضوعية كتكلفة الاعلاف والنقل، وعوامل اخرى، بشكل أساسي، مهيكلة ترتبط بالمضاربة وتدخل الشناقة والوسطاء. هذا التداخل يجعل من السوق فضاء غير مفتوحا للاغتناء الفاحش على حساب من لا يستطيعون حتى توفير الحد الأدنى من الخضر، فما عساك أضحية العيد، في غياب الضبط الفعلي للاسعار، لتصبح القدرة الشرائية هي المحدد الوحيد لولوج هذه الشعيرة.
في هذا السياق، يتحول الحد الادنى للأجر، الذي يفترض ان يكون الية للحماية الاجتماعية، الى مرجع غير كاف لقياس الكرامة الاقتصادية، خصوصا حين نقارنه بمعاشات اقل منه. كما ان غياب حد ادنى فعلي للمعاشات يفاقم الهشاشة، ويجعل فئة المتقاعدين خارج اي تصور حقيقي للعدالة المجالية والاجتماعية.
عيد الاضحى، الذي يفترض ان يكون لحظة فرح جماعي، يكشف بهذا المعنى عن فجوة صامتة بين النصوص والواقع، بين ما هو مفترض من كرامة وما هو معيش من صعوبة. فالمتقاعد، الذي افنى سنوات عمره في العمل، يجد نفسه امام ضغط مزدوج: ضغط الحاجة الاقتصادية، وضغط الشعائر الدينية والتمثلات الاجتماعية التي لا تزال تربط المشاركة في طقوس العيد بالقدرة المادية.
ان معالجة هذه الوضعية تستدعي مقاربة شمولية تعيد النظر في منظومة الاجور والمعاشات، وتربطها فعليا بمؤشرات كلفة العيش، كما تفرض اعادة هيكلة سلاسل التوزيع في سوق الاضاحي، والحد من اقتصاد الوساطة غير المنتجة الذي يرفع الاسعار دون قيمة مضافة حقيقية.
كما يظل من الضروري تعزيز آليات المراقبة والتقنين، وتوجيه الدعم نحو الفئات الاكثر هشاشة بشكل مباشر وشفاف، بما يضمن حد ادنى من الانصاف في الولوج الى هذه المناسبة الدينية.
بين دخل لا يكفي وسوق لا يرحم، يتجلى عيد الاضحى بالنسبة لكثير من المتقاعدين ليس كمناسبة للفرح، بل كمرآة تعكس اختلالا عميقا في توزيع الثروة والحماية الاجتماعية، اختلالا يستدعي نقاشا عموميا مسؤولا يتجاوز المناسبات نحو اصلاحات بنيوية حقيقية.