دوليات

توتر متصاعد في الجزائر قبيل الموعد الرمزي لإعلان “استقلال منطقة القبائل

ابراهيم ادريسي

 

تشهد الجزائر خلال الأسابيع الأخيرة توتراً سياسياً متزايداً مع اقتراب تاريخ 14 دجنبر، الذي تتداوله بعض الحركات القبائلية في الخارج كتاريخ رمزي لإعلان ما تسميه “استقلال منطقة القبائل”. هذا المعطى، وإن بقي في إطار الخطاب الإعلامي والسياسي، أثار ردود فعل قوية داخل المؤسسات الرسمية، ودفع السلطات إلى اعتماد لهجة أكثر حدة في تصريحاتها حول “وحدة الدولة” و“محاولات المساس بالسيادة الوطنية”.

في خضم هذا المشهد المعقّد، خرج الناشط القبائلي أكسل بلعباسي بنداء موجّه إلى سكان منطقة القبائل، شدّد فيه على ضرورة “التحلي بأقصى درجات اليقظة” خلال هذه المرحلة، معتبراً أن السلطة المركزية “تعيش حالة ارتباك واضحة” نتيجة الزخم الإعلامي المحيط بالموعد المذكور. دعوته أثارت تفاعلاً كبيراً على منصّات التواصل، حيث رأى البعض فيها محاولة لاحتواء أي توتر قد يُستغلّ لتبرير إجراءات أمنية إضافية.

ذكريات صيف 2021: جرح مفتوح في الذاكرة المحلية

يحمل هذا التوتر الراهن ظلالاً ثقيلة من أحداث صيف 2021، حين شهدت المنطقة حرائق واسعة النطاق تبعتها حملة اعتقالات، وسط تبادل الاتهامات بشأن الجهة المسؤولة. السلطات حمّلت حينها حركة ماك مسؤولية ما حدث، بينما طالبت منظمات حقوقية دولية ــ مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية ــ بتحقيقات مستقلة، معتبرة أن الرواية الرسمية لم تقدّم إجابات كافية. هذه الذاكرة المؤلمة تجعل سكان المنطقة أكثر حساسية تجاه أي خطوة قد تُفسَّر على أنها بداية لتوتر جديد.

منطقة القبائل: ملف تاريخي عالق بين الهوية والسياسة

منطقة القبائل كانت دائماً نقطة محورية في المشهد الجزائري. فمنذ عقود، تشهد العلاقة بين سكان المنطقة والسلطة المركزية حالات مد وجزر، نتيجة مطالب ثقافية وهوياتية وسياسية لم تُعالج بشكل شامل أو جذري، بحسب مراقبين. وفي المقابل، ترى الدولة أن أي دعوات انفصالية تمسّ مباشرة وحدة البلاد، وتتهم أطرافاً خارجية بالمساهمة في تغذية القضية، بينما تبقى أزمة الثقة الداخلية عاملاً أساسياً في استمرار التشنج.

المشهد الحالي: فاعلون متعدّدون وسياق داخلي هش

يتقاطع اليوم الخطاب المتشدد للسلطات الجزائرية مع تنامي الرسائل والتحرّكات الإعلامية للحركات القبائلية المقيمة بالخارج. هذا التزامن، إضافة إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي الضاغط داخل البلاد، يجعل المرحلة أكثر حساسية. الشبهات التي يعبّر عنها الخطاب الرسمي بشأن “تدخلات أجنبية” تلتقي مع مخاوف محلية حقيقية من أي سيناريو قد يعيد المنطقة إلى حالة التوتر الأمني.

في هذا السياق، يُقرأ تحذير أكسل بلعباسي باعتباره رسالة تهدئة موجّهة إلى الشارع القبائلي لتجنّب الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة، خصوصاً في ظل تشديد السلطات لإجراءاتها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

نحو مرحلة مفصلية؟

بين خطاب رسمي يؤكد “أولوية حماية السيادة الوطنية”، وحراك قبائلي يروّج لـ“حق تقرير المصير”، وقلق شعبي من تكرار أحداث 2021، تبدو الجزائر مقبلة على مرحلة دقيقة قد تحدد مسار أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخها السياسي الحديث. ومع استمرار الترقب الداخلي والخارجي لما قد تفضي إليه الأيام المقبلة، يظلّ هذا الملف مفتوحاً على احتمالات متعددة، يتوقف كثير منها على قدرة الأطراف المختلفة على تجنّب التصعيد واختيار طريق الحوار بدل المواجهة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى